تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفقه عند الشيخ الأكبر — صفحة 169

مساهمون:

ص١٦٩
خاصة ، فحجروا وضيقوا ما وسع اللّه ، فلو أن اللّه لا يرحم أحدا من خلقه لحرم رحمته من يقول بهذا ، ولكن أبى اللّه تعالى إلا شمول الرحمة ، قال تعالى لنبيه صلى اللّه عليه وسلم
وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ
وما خص مؤمنا من غيره ، واللّه أرحم الراحمين كما قال عن نفسه . وقد وجدنا من نفوسنا ، وممن جبلهم اللّه على الرحمة ، أنهم يرحمون جميع العباد ، حتى لو حكمهم اللّه في خلقه لأزالوا صفة العذاب من العالم ، بما تمكن حكم الرحمة من قلوبهم ، وصاحب هذه الصفة - أنا وأمثالي ونحن مخلوقون - أصحاب أهواء وأغراض ، وقد قال عن نفسه جل علاه إنه أرحم الراحمين ، فلا نشك أنه أرحم منا بخلقه ، ونحن قد عرفنا من نفوسنا هذه المبالغة في الرحمة ، فكيف يتسرمد عليهم العذاب وهو بهذه الصفة العامة من الرحمة ؟ إن اللّه أكرم من ذلك ، ولا سيما وقد قام الدليل العقلي ، على أن الباري لا تنفعه الطاعات ، ولا تضره المخالفات ، وأن كل شيء جار بقضائه وقدره وحكمه ، وأن الخلق مجبورون في اختيارهم ، وقد قام الدليل السمعي أن اللّه يقول في الصحيح : يا عبادي ، فأضافهم إلى نفسه ، وما أضاف اللّه قط العباد لنفسه إلّا من سبقت له الرحمة ألّا يؤبد عليهم الشقاء وإن دخلوا النار ، فقال : « يا عبادي ، لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم ، اجتمعوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ، ما زاد ذلك في ملكي شيئا ، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم ، اجتمعوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئا » « 1 » . ( ف ح 4 / 163 - ح 3 / 25 )
هامش
( 1 ) راجع شرح الأسماء الحسنى ، الرحمن ، والرحيم ، والواسع ، والشهيد ، والرشيد ، ذهب المتقدمون إلى مذهبين : الأول هو القول بالخلود في الدارين ، مع أبدية النعيم لأهل الجنة وأبدية العذاب لأهل النار ، والمذهب الثاني هو القول بفناء النار وفناء أهلها ، وذهب إلى هذا القول الإمام أحمد بن تيمية ( راجع كتاب جلاء العينين للآلوسي ) ثم ظهر المذهب الثالث الذي أتى به الشيخ محي الدين ابن العربي ، وهو القائل بالخلود في الدارين ، مع أبدية النعيم لأهل الجنة ، وانقضاء مدة العذاب على أهل النار الذين هم أهلها ، ثم تشملهم الرحمة التي وسعت كل شيء ، مع بقاء صورة النار على ما هي عليه ، والعجب من المتأخرين أن بعضهم رفض هذا المذهب ، الذي أخذه الشيخ من فهمه في القرآن والحديث ، مع قبولهم للمذهب الثاني ، وإن أنصف الناظر لوجد أن ما ذهب إليه الشيخ أولى مما ذهب إليه القائلون بفناء النار وفناء أهلها ، إن لم يكن أولى من المذهب الأول .
الفقه عند الشيخ الأكبر — صفحة 169 | محمود محمود الغراب