تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفقه عند الشيخ الأكبر — صفحة 173

مساهمون:

ص١٧٣
المماسة الخفية عند اللمس ، ويرى السواد في الظلماء ، والماء في الماء « 1 » ، لا يحجبه الامتزاج ولا الظلمات ولا النور ، وهو السميع البصير ، تكلم سبحانه - لا عن صمت متقدم ، ولا سكوت متوهم - بكلام قديم أزلي كسائر صفاته ، من علمه وإرادته وقدرته ، كلّم به موسى عليه السلام ، سماه التنزيل والزبور والتوراة والإنجيل ، من غير حروف ولا أصوات ولا نغم ولا لغات ، بل هو خالق الأصوات والحروف واللغات ، فكلامه سبحانه من غير لهاة ولا لسان ، كما أن سمعه من غير أصمخة ولا آذان ، كما أن بصره من غير حدقة ولا أجفان ، كما أن إرادته في غير قلب ولا جنان ، كما أن علمه من غير اضطرار ولا نظر في برهان ، كما أن حياته من غير بخار تجويف قلب حدث عن امتزاج الأركان ، كما أن ذاته لا تقبل الزيادة ولا النقصان ، فسبحانه سبحانه من بعيد دان ، عظيم السلطان ، عميم الإحسان ، جسيم الامتنان ، كل ما سواه فهو عن جوده فائض ، وفضله وعدله الباسط له والقابض ، أكمل صنع العالم وأبدعه ، حين أوجده واخترعه ، لا شريك له في ملكه ، ولا مدبر معه في ملكه ، إن أنعم فنعّم فذلك فضله ، وإن أبلى فعذب فذلك عدله ، لم يتصرف في ملك غيره فينسب إلى الجور والحيف ، ولا يتوجه عليه لسواه حكم فيتصف بالجزع لذلك والخوف ، كل ما سواه تحت سلطان قهره ، ومتصرف عن إرادته وأمره ، فهو الملهم نفوس المكلفين التقوى والفجور ، وهو المتجاوز عن سيئات من شاء والآخذ بها من شاء هنا وفي يوم النشور ، لا يحكم عدله في فضله ، ولا فضله في عدله ، أخرج العالم قبضتين ، وأوجد لهم منزلتين ، فقال هؤلاء للجنة ولا أبالي ، وهؤلاء للنار ولا أبالي ، ولم يعترض عليه معترض هناك ، إذ لا موجود كان ثمّ سواه ، فالكل تحت تصريف أسمائه ، فقبضة تحت أسماء بلائه ، وقبضة تحت أسماء آلائه ، ولو أراد سبحانه أن يكون العالم كله سعيدا لكان ، أو شقيا لما كان من ذلك في شأن ، لكنه سبحانه لم يرد فكان كما أراد ، فمنهم الشقي والسعيد هنا وفي يوم المعاد ، فلا سبيل إلى تبديل ما حكم عليه القديم ، وقد قال تعالى في الصلاة : هي خمس وهي خمسون ،
ما يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَما أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ
لتصرفي في ملكي ، وإنفاذ مشيئتي في ملكي ، وذلك لحقيقة عميت عنها الأبصار والبصائر ، ولم تعثر عليها الأفكار ولا الضمائر ، إلا بوهب إلهي ، وجود
هامش
( 1 ) قال تعالىمَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ .