تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفقه عند الشيخ الأكبر — صفحة 168

مساهمون:

ص١٦٨
والأنفال سورة واحدة قسمها الحق على فصلين ، فإن فصلها وحكم بالفصل فقد سماها سورة التوبة ، أي سورة الرجعة الإلهية بالرحمة على من غضب عليه من العباد ، فما هو غضب أبد لكنه غضب أمد ، واللّه هو التواب ، فما قرن بالتواب إلا الرحيم ، ليؤول المغضوب عليه إلى الرحمة ، أو الحكيم لضرب المدة في الغضب وحكمها فيه إلى أجل ، فيرجع عليه بعد انقضاء المدة بالرحمة ، فانظر إلى الاسم الذي نعت به التواب تجد حكمه كما ذكرنا ، والقرآن جامع لذكر من رضي عنه وغضب عليه ، وتتويج منازله بالرحمن الرحيم ، والحكم للتتويج ، فإنه به يقع القبول ، وبه يعلم أنه من عند اللّه ، فاللّه يقيم حدوده ، على عباده حيث شاء متى شاء ؛ فثبت انتقال الناس في الدارين في أحوالهم من نعيم إلى نعيم ، ومن عذاب إلى عذاب ، ومن عذاب إلى نعيم من غير مدة معلومة لنا ، فإن اللّه ما عرفنا ، إلا أنّا استروحنا من قوله
فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ
أن هذا القدر مدة إقامة الحدود . ( ف ح 3 / 496 - ح 2 / 662 - ح 3 / 466 ، 100 ، 101 ، 383 ) خلق اللّه الخلق قبضتين فقال : هؤلاء للنار ولا أبالي ، وهؤلاء للجنة ولا أبالي ، فمن كرمه تعالى لم يقل ، هؤلاء للعذاب ولا أبالي ، وهؤلاء للنعيم ولا أبالي ، وإنما أضافهم إلى الدارين ليعمروها ، فإنه ورد في الخبر الصحيح ، أن اللّه لما خلق الجنة والنار قال لكل واحدة منهما لها عليّ ملؤها ، أي أملؤها سكانا ، فيستروح من هذا عموم الرحمة من الدارين ، وشمولها حيث ذكرهما ، ولم يتعرض لذكر الآلام وقال بامتلائهما ، وما تعرض لشيء من ذلك ، فكان معنى « ولا أبالي » في الحالتين ، لأنهما في المآل إلى الرحمة ، فلذلك لا يبالي فيهما ، ولو كان الأمر كما يتوهمه من لا علم له من عدم المبالاة ، ما وقع الأخذ بالجرائم ، ولا وصف اللّه نفسه بالغضب ، ولا كان البطش الشديد ، فهذا كله من المبالاة والتهمم بالمأخوذ ، إذ لو لم يكن له قدر ما عذّب ولا استعدّ له ، وقد قيل في أهل التقوى إن الجنة أعدت للمتقين ، وقال في أهل الشقاء و
أَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً
فلو لا المبالاة ما ظهر هذا الحكم . ( ف ح 3 / 383 ) فما أعظم رحمة اللّه بعباده وهم لا يشعرون ، فإن الرحمة الإلهية وسعت كل شيء ، فما ثمّ شيء لا يكون في هذه الرحمة
إِنَّ رَبَّكَ واسِعُ الْمَغْفِرَةِ
فلا تحجروا واسعا فإنه لا يقبل التحجير ، ولقد رأيت جماعة ممن ينازعون في اتساع رحمة اللّه ، وأنها مقصورة على طائفة