تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفقه عند الشيخ الأكبر — صفحة 167

مساهمون:

ص١٦٧
الذي يعم جميع هذه الاعتقادات ، ويعلم مصادرها ومواردها ، ولا يغيب عنه منها شيء ، وما من صاحب نحلة ولا ملة ولا نظر إلا وتسأله عن طلبه ، فتجده مستوفز الهمة على طلب موجده ، لأنه خلقه للمعرفة به ، واختلفت أحوالهم في إدراك مطلوبهم لاختلاف أمزجتهم ، ونزلت الشرائع تصوب نظر كل ناظر ، فرحم اللّه الجميع ، وهذا معنى قوله
وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ .
( ف ح 2 / 219 )

شمول الرحمة وعدم سرمدة العذاب :

قال تعالى
الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى
وقال
وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ
وقال
كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ
فاعلم أن الرحمة الإلهية التي أوجد اللّه في عباده ليتراحموا بها ، مخلوقة من الرحمة الذاتية التي أوجد اللّه بها العالم ، حين أحب أن يعرف ، وبها كتب على نفسه الرحمة ، والرحمة المكتوبة منفعلة عن الرحمة الذاتية ، والرحمة الامتنانية هي التي وسعت كل شيء ، فرحمة الشيء لنفسه تمدها الرحمة الذاتية وتنظر إليها ، وفيها يقع الشهود من كل رحيم بنفسه ، والرحمة التي كتبها على نفسه لا مشهد لها في الرحمة الذاتية ولا الامتنانية ، فإنها مكتوبة لأناس مخصوصين بصفات مخصوصة ، وأما رحمة الراحم بمن أساء إليه ، وما يقتضيه شمول الإنعام الإلهي والاتساع الجودي ، فلا مشهد لها إلا رحمة الامتنان ، وهي الرحمة التي يترجاها إبليس فمن دونه ، لا مشهد لهؤلاء في الرحمة المكتوبة ولا في الرحمة الذاتية ، فاللّه تعالى رحمن بعموم رحمته التي وسعت كل شيء ، رحيم بما أوجب على نفسه لعباده ؛ فهو رحمن في العموم ، رحيم في الخصوص ، وهو رحمن برحمة الامتنان ، رحيم بالرحمة الخاصة ، وهي الواجبة في قوله
فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ
الآيات ، وقوله
كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ
وأما رحمة الامتنان فهي التي تنال من غير استحقاق بعمل ، وبرحمة الامتنان رحم اللّه من وفقه للعمل الصالح ، الذي أوجب له الرحمة الواجبة ، وبها نال العاصي وأهل النار إزالة العذاب وإن كان مسكنهم دار جهنم ؛ فإن من اختصاص البسملة في أول كل سورة ، تتويج الرحمة الإلهية في منشور تلك السورة ، أنها تنال كل مذكور فيها ، فإنها علامة اللّه على كل سورة أنها منه ، كعلامة السلطان على مناشيره ، وسورة التوبة