أُخْرى
إلى أمثال هذا مما تحتاج إليه العقائد ، من الحشر والنشر ، والقضاء والقدر ، والجنة والنار ، والقبر والميزان ، والحوض والصراط ، والحساب والصحف ، وكل ما لابد للمعتقد أن يعتقده ، قال تعالى
ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ
وأن هذا القرآن معجزته عليه السلام ، بطلب معارضته والعجز عن ذلك ، في قوله قل
فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ
ثم قطع أن المعارضة لا تكون أبدا بقوله
قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً
وأخبر بعجز من أراد معارضته وإقراره بأن الأمر عظيم فيه فقال
إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ
إلى قوله
إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ
ففي القرآن العزيز للعاقل غنية كبيرة ، ولصاحب الداء العضال دواء وشفاء ، كما قال
وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ
ومقنع شاف لمن عزم على طريق النجاة ، ورغب في سمو الدرجات ، وترك العلوم التي تورد عليها الشبه والشكوك ، فيضيع الوقت ويخاف المقت ، إذ المنتحل لتلك الطريقة قلما ينجو من التشغيب ، أو يشتغل برياضة نفسه وتهذيبها ، فإنه مستغرق الأوقات في إرداع الخصوم الذين لم يوجد لهم عين ، ودفع شبه يمكن أن وقعت للخصم ويمكن أن لم تقع ، فقد تقع وقد لا تقع ، وإذا وقعت فسيف الشريعة أردع وأقطع « أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا اللّه وحتى يؤمنوا بي وبما جئت به » هذا قوله صلى اللّه عليه وسلم ولم يدفعنا لمجادلتهم إذا حضروا ، إنما هو الجهاد والسيف إن عاند فيما قيل له ، فكيف بخصم متوهم نقطع الزمان بمجادلته ، وما رأينا له عينا ولا قال لنا شيئا ؟ وإنما نحن مع ما وقع لنا في نفوسنا ، ونتخيل أنا مع غيرنا ، ومع هذا فإنهم رضي اللّه عنهم اجتهدوا وخيرا قصدوا ، وإن كان الذي تركوا أوجب عليهم من الذي شغلوا نفوسهم به ، واللّه ينفع الكل بقصده ، وإن علم الكلام مع شرفه لا يحتاج إليه أكثر الناس ، بل شخص واحد يكفي منه في البلد مثل الطبيب ، والفقهاء والعلماء بفروع الدين ليسوا كذلك ، بل الناس محتاجون إلى الكثرة من علماء الشريعة ، وفي الشريعة بحمد اللّه الغنية والكفاية ، ولو مات الإنسان وهو لا يعرف اصطلاح القائلين بعلم النظر ، مثل الجوهر والعرض والجسم والجسماني والروح والروحاني ، لم يسأله اللّه تعالى عن ذلك ، وإنما يسأل اللّه الناس عما أوجب عليهم من التكليف خاصة ، واللّه يرزقنا الحياء منه .