فما يبدل القول لديه ، فلا حكم لخالق ولا مخلوق إلا بما سبق به الكتاب الإلهي ولذا قال
وَما أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ
فما نجري عليهم إلا ما سبق به العلم ، ولا أحكم فيهم إلا بما سبق به . واعلم أن اللّه تعالى ما كتب إلا ما علم ، ولا علم إلا ما شهد من صور المعلومات على ما هي عليه في أنفسها ، ما يتغير منها وما لا يتغير ، فيشهدها كلها في حال عدمها على تنوعات تغييراتها إلى ما لا يتناهي ، فلا يوجدها إلا كما هي عليه في نفسها ، فمن هنا تعلم علم اللّه بالأشياء ، معدومها وموجودها وواجبها وممكنها ومحالها ، فما ثمّ على ما قررناه كتاب يسبق ، إلا بإضافة الكتاب إلى ما يظهر به ذلك الشيء في الوجود ، على ما شهده الحق في حال عدمه ، فهو « 1 » سبق الكتاب على الحقيقة ، والكتاب سبق وجود ذلك الشيء ، ويعلم ذوق ذلك من علم الكوائن قبل تكوينها ، فهي له مشهودة في حال عدمها ولا وجود لها ، فمن كان له ذلك ، علم معنى سبق الكتاب ، فلا يخف سبق الكتاب عليه وإنما يخاف نفسه ، فإنه ما سبق الكتاب عليه ولا العلم ، إلا بحسب ما كان هو عليه من الصورة التي ظهر في وجوده عليها ، ومن هنا - إن عقلت - وصف الحق نفسه بأن له الحجة البالغة لو نوزع ، فإنه من المحال أن يتعلق العلم إلا بما هو المعلوم عليه في نفسه ، فلو احتج أحد على اللّه بأن يقول له : علمك سبق فيّ بأن أكون على كذا ، فلم تؤاخذني ؟ يقول له الحق : هل علمتك إلا بما أنت عليه ؟ فلو كنت على غير ذلك لعلمتك على ما تكون عليه « 2 » ، ولذلك قال
حَتَّى نَعْلَمَ
فارجع إلى نفسك وأنصف في كلامك ، فإذا رجع العبد على نفسه ونظر في الأمر كما ذكرناه ، علم أنه محجوج وأن الحجة للّه تعالى عليه ، أما سمعته تعالى يقول
وَما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ
وَما ظَلَمْناهُمْ
وقال
وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ
كما قال
وَلكِنْ كانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ
يعني أنفسهم ، فإنهم ما ظهروا لنا حتى علمناهم وهم معدومون ، إلا بما ظهروا به في الوجود من الأحوال ؛ فعندنا ما كانت الحجة البالغة للّه على عباده ، إلا من كون العلم تابعا للمعلوم ، ما هو حاكم على المعلوم ، فإن قال المعلوم شيئا ، كان للّه الحجة البالغة عليه بأن يقول له : ما علمت هذا منك إلا بكونك عليه في حال عدمك ، وما أبرزتك في الوجود
هامش
( 1 ) الضمير هنا يعود على الشيء .
( 2 ) لأن الشيء على صورته في علم اللّه ، متقدم على العلم الإلهي به بالرتبة لا بالوجود ( انظر الهامش التالي ) .