تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفقه عند الشيخ الأكبر — صفحة 151

مساهمون:

ص١٥١
الرسول من جنس ما أرسل إليهم ، فلا يختص واحد من الجنس دون غيره إلا لعدم المعارض وهو الشريك ، فلابد أن يكون عالما بتوحيد من أرسله ، وهو اللّه تعالى ، ولابد أن يتقدمه العلم بأن هذا الإله على صفة يمكن أن يبعث رسولا بنسبة خاصة ما هي ذاته ، وحينئذ ينظر في صدق دعوى هذا الرسول ، أنه رسول من عند اللّه ، لإمكان ذلك عنده ، وهذه في العلم مراتب معقولة ، يتوقف العلم ببعضها على بعض ، وليس هذا كله حظ المؤمن ، فإن مرتبة الإيمان وهو التصديق بأن هذا رسول من عند اللّه ، لا تكون إلا بعد حصول هذا العلم الذي ذكرناه ، فإذا جاء بالدلالات على صدقه بأنه رسول - لا بتوحيد مرسله - حينئذ تتأهب العقلاء أولوا الألباب والأحلام والنهى لما يورده في رسالته ، فأول شيء يقول في رسالته : إن اللّه الذي أرسلني يقول لكم : قولوا لا إله إلا اللّه ؛ فعلم أولوا الألباب أن العالم بتوحيد اللّه لا يلزمه أن يتلفظ به ، فلما سمع من الرسول الأمر بالتلفظ به ، وأن ذلك ليس من مدلول دليل العلم بتوحيد اللّه ، تلفظ به هذا العالم الموحد ، إيمانا وتصديقا بهذا الرسول ، فإذا قال العالم : لا إله إلا اللّه ؛ لقول رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم له : قل لا إله إلا اللّه ، عن أمر اللّه ، سمي مؤمنا ، فإن الرسول أوجب عليه أن يقولها ، وقد كان في نفسه عالما بها ومخيرا في نفسه في التلفظ بها ، وعدم التلفظ بها ، فهذه مرتبة العالم بتوحيد اللّه من حيث الدليل ، فمن مات وهو يعلم أنه لا إله إلا اللّه ، دخل الجنة بلا شك ولا ريب وهو من السعداء ، فأما من كان في الفترات فيبعثه اللّه أمة وحده ، كقس بن ساعدة ، لا تابع لأنه ليس بمؤمن ، ولا هو متبوع لأنه ليس برسول من عند اللّه ، بل هو عالم باللّه وبما علم من الكوائن الحادثة في العالم بأي وجه علمها ، وليس لمخلوق أن يشرع ما لم يأذن به اللّه تعالى ، ولا أن يوجب وقوع ممكن من الغيب - يجوز خلافه في دليله - على جهة القربة إلى اللّه إلا بوحي من اللّه وإخبار ؛ فليس الإيمان المعتبر عندنا إلا أن يقال الشيء لقول المخبر على ما أخبر به ، أو يفعل ما يفعل لقول المخبر ، لا لعين الدليل العقلي . فإذا جاء الرسول وبين يديه العلماء باللّه وغير العلماء باللّه ، وقال للجميع : قولوا لا إله إلا اللّه ؛ علمنا على القطع أنه صلى اللّه عليه وسلم في ذلك القول ، معلم لمن لا علم له بتوحيد اللّه من المشركين ، وعلمنا أنه في ذلك القول أيضا ، معلم للعلماء باللّه وتوحيده أن التلفظ به واجب ، وأنه العاصم من سفك دمائهم وأخذ أموالهم وسبي ذراريهم ، ولهذا قال رسول
الفقه عند الشيخ الأكبر — صفحة 151 | محمود محمود الغراب