تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفقه عند الشيخ الأكبر — صفحة 148

مساهمون:

ص١٤٨
هُوَ إِلهٌ واحِدٌ
فزادوا في النظر وخرجوا عن المقصود الذي كلفوه ، فأثبتوا له صفات لم يثبتها لنفسه ، ونفت عنه طائفة أخرى تلك الصفات ولم ينفها عن نفسه ، ولا نص عليها في كتابه ولا على ألسنة أنبيائه ، ثم اختلفوا في إطلاق الأسماء عليه ، فمنهم من أطلق عليه ما لم يطلق على نفسه ، وإن كان اسم تنزيه ، ولكنه فضول من القائل به والخائض فيه ، ثم أخذوا يتكلمون في ذاته ، وقد نهاهم الشرع عن التفكر في ذاته جل وتعالى ، وقد قال سبحانه
وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ
أي لا تتعرضوا للتفكر فيها ، فانضاف إلى فضولهم عصيان الشرع بالخوض فيما نهوا عنه ، فمن قائل هو جسم ، ومن قائل ليس بجسم ، ومن قائل هو جوهر ، ومن قائل ليس بجوهر ، ومن قائل هو في جهة ، ومن قائل ليس في جهة ، وما أمر اللّه أحدا من خلقه بالخوض في ذلك جملة واحدة ، لا النافي ولا المثبت ، ولو سئلوا عن تحقيق معرفة ذات واحدة من العالم ما عرفوها ، ولو قيل لهذا الخائض : كيف تدبير نفسك لبدنك ؟ وهل هي داخلة فيه أو خارجة عنه أو لا داخلة ولا خارجة ؟ وانظر بعقلك في ذلك ، وهل هذا الزائد ، الذي يتحرك به هذا الجسم الحيواني ويبصر ويسمع ويتخيل ويتفكر ، لماذا يرجع ؟ هل لواحد أو لكثيرين ؟ وهل يرجع إلى عرض أو إلى جوهر أو إلى جسم ؟ وتطلبه بالأدلة العقلية على ذلك دون الشرعية ، ما وجد لذلك دليلا عقليا أبدا ، ولا عرف بالعقل أن للأرواح بقاء ووجودا بعد الموت ، وكل ما اتخذوه دليلا في ذلك مدخول لا يقوم على ساق ، فما من مأخذ فيه إلا وهو ممكن ، والممكن لا يقوم دليل عقلي على وجوب وجوده ولا وجوب عدمه ، إذ لو كان كذلك لاستحالت حقيقة إمكانه ، فما لنا إلا ما نص عليه الشرع ، فالعاقل يشغل نفسه بالنظر في الأوجب عليه لا يتعداه ، فإن المدة يسيرة ، والأنفاس نفائس ، وما مضى منها لا يعود . واعلم أن اللّه لا إله واحد لا إله إلا هو ، مسمى بالأسماء التي يفهم منها ومن معانيها ، أنها لا تنبغي إلا له ولمن تكون له هذه المرتبة ، ولا تتعرض يا ولي للخوض في الماهية والكمية والكيفية ، فإن ذلك يخرجك عن الخوض فيما كلفته ، والزم طريق الإيمان والعمل بما فرض اللّه عليك ، واذكر ربك بالغدو والآصال ، بالذكر الذي شرعه لك من تهليل وتسبيح وتحميد ، واتق اللّه ، فإذا شاء الحق أن يعرفك بما شاءه من علمه ، فأحضر عقلك ولبك لقبول ما يعطيك ويهبك من العلم به ، فذلك هو النافع ، وهو النور الذي يحيى