قال اللّه تعالى في كتابه العزيز
شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ قائِماً بِالْقِسْطِ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ
ثم قال
إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ
وقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا اللّه وأن محمدا رسول اللّه - الحديث » فقال تعالى
وَأُولُوا الْعِلْمِ
ولم يقل : وأولوا الإيمان ؛ فإنه شهادته بالتوحيد لنفسه ما هي عن خبر فيكون إيمانا ، ولهذا الشاهد فيما يشهد به لا يكون إلا عن علم ، وإلا فلا تصح شهادته ، ثم إنه تعالى عطف الملائكة وأولي العلم على نفسه بالواو ، وهو حرف يعطي الاشتراك ، ولا اشتراك هنا إلا في العلم الضروري أو النظري ، لا من طريق الخبر ، كأنه يقول : وشهدت الملائكة بتوحيدي بالعلم الضروري ، من التجلي الذي أفادهم العلم ، وقام لهم مقام النظر الصحيح في الأدلة ، فشهدت لي بالتوحيد كما شهدت لنفسي ، وأولوا العلم بالنظر العقلي الذي جعلته في عبادي ، ثم جاء الإيمان بعد ذلك في الرتبة الثانية من العلماء ، وهو الذي يعول عليه في السعادة ، فإن اللّه به أمر ، وسميناه علما لكون المخبر هو اللّه ؛ فإن الشهادة لا تكون إلا عن علم ، لا عن غلبة ظن ولا تقليد ، إلا تقليد معصوم فيما يدعيه ، فتشهد له بأنك على علم ، كما نشهد نحن على الأمم أن أنبياءها بلغتها دعوة الحق ، ونحن ما كنا في زمان التبليغ ، ولكنا صدقنا الحق فيما أخبرنا به في كتابه ، عن نوح وعاد وثمود وقوم لوط وأصحاب الأيكة وقوم موسى ، وشهادة خزيمة ، وذلك لا يكون إلا لمن هو في إيمانه على علم بمن آمن به ، لا على تقليد وحسن ظن . قال تعالى
فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ
وقال تعالى
وَلِيَعْلَمُوا أَنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ
حين قسم المراتب في آخر سورة إبراهيم من القرآن العزيز ، وقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في الصحيح : « من مات وهو يعلم أنه لا إله إلا اللّه دخل الجنة » ولم يقل هنا يؤمن ، فإن الإيمان موقوف على الخبر ، وقد قال تعالى
وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا
وقد علمنا أن للّه عبادا كانوا في فترات وهم موحدون علما ، وما كانت دعوة الرسل قبل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عامة ، فيلزم أهل كل زمان الإيمان ، فعم بهذا الكلام جميع العلماء بتوحيد اللّه ، المؤمن منهم من حيث ما هو عالم به من جهة الخبر الصدق ، الذي يفيد العلم ، لا من جهة الإيمان ، وغير المؤمن ، فالإيمان لا يصح وجوده إلا بعد مجيء الرسول ، والرسول لا يثبت حتى يعلم الناظر العاقل أن ثمّ إلها ، وأن ذلك الإله واحد لابد من ذلك ، لأن