واحد منهما بإله ، وقد وقع الترجيح ، فلابد أن يكون أحدهما نافذ الإرادة ، وقصر الآخر عن ننفيذ إرادته فحصل العجز ، والإله ليس بعاجز ، فالإله من نفذت إرادته ، وهو اللّه الواحد لا شريك له ، وهكذا استدل الخليل عليه السلام في الأفول ، فأعطاه النظر أن الأفول يناقض حفظ العالم ، فالإله لا يتصف بالأفول ، أو الأفول حادث لطروه على الآفل بعد أن لم يكن آفلا ، والإله لا يكون محلا للحوادث ، لبراهين أخر قريبة المأخذ ، وهذه الأنوار قد قبلت الأفول ، فليس واحد منها بإله ، وهذه بعينها طريقة قوله تعالى :
لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا
وكل دليل لا يرجع إلى هذا المعنى فلا يكون دليلا ، ثم قال اللّه تعالى في قصة إبراهيم هذه
وَتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إِبْراهِيمَ
ولم يكن له غير هذا ، فقوله
حُجَّتُنا
أي مثل حجتنا التي نصبناها دليلا على توحيدنا ، وهي قولنا
لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا
وهذه الأدلة وأمثالها إنما المطلوب بها توحيد اللّه ، أي ما ثمّ إله آخر زائد على هذا الواحد ، وأما أحدية الذات في نفسها فلا تعرف لها ماهية حتى يحكم عليها ، لأنها لا تشبه شيئا من العالم ولا يشبهها شيء ، فلا يتعرض العاقل إلى الكلام في ذاته إلا بخبر من عنده ، ومع إتيان الخبر فإنها تجهل نسبة ذلك الحكم إليه لجهلنا به ، بل نؤمن به على ما قاله وعلى ما يعلمه ، فإن الدليل ما يقوم إلا على نفي التشبيه شرعا وعقلا ، فهذه طريقة قريبة ، عليها أكثر علماء النظر ، وأما الموحد بنور الإيمان الزائد على نور العقل - وهو الذي يعطي السعادة - وهو نور لا يحصل عن دليل أصلا ، وإنما يكون عن عناية إلهية بمن وجد عنده ، ومتعلقه صدق المخبر فيما أخبر به عن نفسه خاصة ، ليس متعلق الإيمان أكثر من هذا . ( ف ح 2 / 289 )
واعلم أن الشرع ما تعرض لأحدية الذات في نفسها بشيء ، وإنما نص على توحيد الألوهية وأحديتها ، بأنه لا إله إلا اللّه ، فالمراد بتوحيد اللّه الذي أمرنا بالعلم به ، أنه توحيد الألوهية له سبحانه لا إله إلا هو ، قال تعالى
فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ
ولم يقل : فاعلم أنه لا تنقسم ذاته ، ولا أنه ليس بمركب ، ولا أنه مركب من شيء ، ولا أنه جسم ، ولا أنه ليس بجسم ، بل قال في صفته إنه
لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ
ولم يتعرض الحق سبحانه إلى تعريف عباده بما خاضوا فيه بعقولهم ، ولا أمرهم اللّه في كتابه بالنظر الفكري إلا ليستدلوا بذلك على أنه إله واحد ، أي أنها لا تدل إلا على الوحدانية في المرتبة
لا تَتَّخِذُوا إِلهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّما