وجد الصلاح وهو بقاء العالم ووجوده ، فدل على أن الموجد له لو لم يكن إلا واحدا ما صح وجود العالم ، هذا دليل الحق فيه على أحديته ، وطابق الدليل العقلي في ذلك ، ولو كان غير هذا من الأدلة أدل منه عليه ، لعدل إليه وجاء به ، وما عرفنا بهذا ولا بالطريق إليه في الدلالة عليه ، وقد تكلف قوم الدلالة عليه بطريق آخر ، وقدحوا في هذه الدلالة ، فجمعوا بين الجهل فيما نصبه الحق دليلا على أحديته وبين سوء الأدب ، فأما جهلهم فكونهم ما عرفوا موضع الدلالة على توحيده في هذه الآية حتى قدحوا فيه ، وأما سوء الأدب فمعارضتهم بما دخلوا فيها بالأمور القادحة ، فجعلوا نظرهم في توحيده أتمّ في الدلالة مما دل به الحق على أحديته ، وما ذهب إلى هذا إلا المتأخرون من المتكلمين الناظرين في هذا الشأن ، وأما المتقدمون كأبي حامد وإمام الحرمين وأبي إسحق الأسفرايني والشيخ أبي الحسن ، فما عرجوا عن هذه الدلالة ، وسعوا في تقريرها ، وأبانوا عن استقامتها أدبا مع اللّه تعالى ، وعلما بموضع الدلالة منها . ( ف ح 2 / 288 )
واعلم أن الكلام في توحيد اللّه من كونه إلها ، وهذا باب التوحيد ، فلا حاجة لنا في إثبات الوجود ، فإنه ثابت عند الذي نازعنا في توحيده ، وأما إثبات وجوده فمدرك بضرورة العقل ، لوجود ترجيح الممكن بأحد الحكمين ، ولنا في توحيده طريقان : الطريق الواحد أن يقال للمشرك : قد اجتمعنا في العلم بأن ثمّ مخصّصا ، وقد ثبت عينه ، وأقل ما يكون واحد ، فمن زاد على الواحد فليدل عليه ، فعليك بالدليل على ثبوت الزائد الذي جعلته شريكا ؛ فليكن الخصم هو الذي يتكلف إثبات ذلك ، والطريقة الأخرى قوله تعالى
لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا
هذه مقدمة ، والمقدمة الأخرى السماء والأرض - وأعني بهما كل ما سوى اللّه - ما فسدتا ، وهذه هي المقدمة الأخرى ، والجامع بين المقدمتين وهو الرابط الفساد ، فأنتجتا أحدية المخصص وهو المطلوب ، وإنما قلنا ذلك ، لأنه لو كان ثمّ إله زائد على الواحد ، لم يخل هذا الزائد إما أن يتفقا في الإرادة أو يختلفا ، ولو اتفقا فليس بمحال أن يفرض الخلاف ، لننظر من تنفذ إرادته منهما ، فإن اختلفا حقيقة أو فرضا في الإرادة ، فلا يخلو إما أن ينفذ في الممكن حكم إرادتهما معا وهو محال ، لأن الممكن لا يقبل الضدين ، وإما أن لا ينفذا ، وإما أن ينفذ حكم إرادة أحدهما دون الآخر ، فإن لم ينفذ حكم إرادتهما فليس