تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفقه عند الشيخ الأكبر — صفحة 144

مساهمون:

ص١٤٤
هذه القوة كيفما كان إدراكها عن الحس البتة ، وقد بطل تعلق الحس باللّه عندنا ، فقد بطل تعلق الخيال به ، وأما القوة المفكرة فلا يفكر الإنسان أبدا إلا في أشياء موجودة عنده ، تلقاها من جهة الحواس وأوائل العقل ، ومن الفكر فيها في خزانة الخيال يحصل له علم بأمر آخر ، بينه وبين هذه الأشياء التي فكر فيها مناسبة ، ولا مناسبة بين اللّه وبين خلقه ، فإذا لا يصح العلم به من جهة الفكر ، ولهذا منعت العلماء من الفكر في ذات اللّه تعالى ، وأما القوة العقلية فلا يصح أن يدركه العقل ، فإن العقل لا يقبل إلا ما علمه بديهة أو ما أعطاه الفكر ، وقد بطل إدراك الفكر له ، فقد بطل إدراك العقل له من طريق الفكر ، ولكن مما هو عقل ، إنما حده أن يعقل ويضبط ما حصل عنده ، فقد يهبه الحق المعرفة به فيقبلها ، لأنه عقل لا من طريق الفكر ، فإن هذه المعرفة التي يهبها الحق تعالى لمن شاء من عباده ، لا يستقل العقل بإدراكها ولكن يقبلها ، فلا يقوم عليها دليل ولا برهان لأنها وراء طور العقل ، ثم هذه الأوصاف الذاتية لا تمكن العبارة عنها ، لأنها خارجة عن التمثيل والقياس ، فإنه ليس كمثله شيء ، فمن طلب اللّه بعقله من طريق فكره ونظره فهو تائه ، وأما القوة الذاكرة فلا سبيل أن تدرك العلم باللّه ، فإنها إنما تذكر ما كان العقل قبل علمه ثم غفل أو نسي ، وهو لم يعلمه ، فلا سبيل للقوة الذاكرة إليه ، وانحصرت مدارك الإنسان بما هو إنسان وما تعطيه ذاته وله فيه كسب ، وما بقي إلا تهيؤ العقل لقبول ما يهبه الحق من معرفته جل وتعالى ، فلا يعرف أبدا من جهة الدليل إلا معرفة الوجود ، وأنه الواحد المعبود لا غير ، فإن الإنسان المدرك لا يتمكن له أن يدرك شيئا أبدا إلا ومثله موجود فيه ، ولولا ذلك ما أدركه البتة ولا عرفه ، فإذا لم يعرف شيئا إلا وفيه مثل ذلك الشيء المعروف ، فما عرف إلا ما يشبهه ويشاكله ، والباري تعالى لا يشبه شيئا ولا في شيء مثله ، فلا يعرف أبدا ، وليس من اللّه في أحد شيء ، ولا يجوز ذلك عليه بوجه من الوجوه ، فلا يعرفه أحد من نفسه وفكره ، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : إن اللّه احتجب عن العقول كما احتجب عن الأبصار ، وإن الملأ الأعلى يطلبونه كما تطلبونه أنتم ؛ فأخبر عليه السلام بأن العقل لم يدركه بفكره ، ولا بعين بصيرته كما لم يدركه البصر ، وهذا هو الذي أشرنا إليه فيما تقدم ، فلله الحمد على ما ألهم ، وأن علمنا ما لم نكن نعلم ، وكان فضل اللّه عظيما ، هكذا فليكن التنزيه ونفي المماثلة والتشبيه ، وما ضل من ضل من المشبهة
الفقه عند الشيخ الأكبر — صفحة 144 | محمود محمود الغراب