تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفقه عند الشيخ الأكبر — صفحة 143

مساهمون:

ص١٤٣
المعرفة به سبحانه إلا بالعجز عن معرفته ، لأنا طلبنا أن نعرفه كما نطلب معرفة الأشياء كلها ، من جهة الحقيقة التي هي المعلومات عليها ، فلما عرفنا أن ثمّ موجودا ليس له مثل ، ولا يتصور في الذهن ولا يدرك ، فكيف يضبطه العقل ؟ هذا ما لا يجوز ، مع ثبوت العلم بوجوده ، فنحن نعلم أنه موجود واحد في ألوهته ، وهذا هو العلم الذي طلب منا ، غير عالمين بحقيقة ذاته التي يعرف سبحانه نفسه عليها ، وهو العلم بعدم العلم الذي طلب منا ، لما كان تعالى لا يشبه شيئا من المخلوقات في نظر العقل ، ولا يشبهه شيء منها . ( ف ح 1 / 93 ) والعلم بالسلب هو العلم باللّه سبحانه ، فإنا نظرنا في جميع ما سوى الحق تعالى ، فوجدناه على قسمين : قسم يدرك بذاته وهو المحسوس والكثيف ، وقسم يدرك بفعله وهو المعقول واللطيف ، فارتفع المعقول عن المحسوس بهذه المنزلة ، وهي التنزه أن يدرك بذاته وإنما يدرك بفعله ، ولما كانت هذه أوصاف المخلوقين ، تقدس الحق تعالى أن يدرك بذاته كالمحسوس ، أو بفعله كاللطيف أو المعقول ، لأنه سبحانه ليس بينه وبين خلقه مناسبة أصلا ، لأن ذاته غير مدركة لنا فتشبه المحسوس ، ولا فعلها كفعل اللطيف ، لأن فعل الحق إبداع الشيء من لا شيء ، واللطيف الروحاني فعل الأشياء من الأشياء ، فأي مناسبة بينهما ؟ فإذا امتنعت المشابهة في الفعل ، فأحرى أن تمتنع المشابهة في الذات ، فالمفعول الإبداعي الذي هو الحقيقة المحمدية عندنا والعقل الأول عند غيرنا ، وهو القلم الأعلى الذي أبدعه اللّه تعالى من غير شيء ، هو أعجز وأمنع عن إدراك فاعله من كل مفعول ، إذ بين كل مفعول وفاعله ضرب من ضروب المناسبة والمشاكلة ، فلابد أن يعلم منه قدر ما بينهما من المناسبة ، إما من جهة الجوهرية أو غير ذلك ، ولا مناسبة بين المبدع الأول والحق تعالى ، فهو أعجز عن معرفته بفاعله من غيره من مفعول الأسباب ، وبهذا وقع العجز عن تعلق العلم المحدث باللّه تعالى ، فإن الباري سبحانه ليس بمحسوس - أي ليس بمدرك بالحس عندنا - في وقت طلبنا المعرفة به ، فلم نعلمه من طريق الحس ، وأما القوة الخيالية فإنها لا تضبط إلا ما أعطاه الحس ، إما على صورة ما أعطاها ، وإما على صورة ما أعطاه الفكر من حمله بعض المحسوسات على بعض ، وإلى هنا انتهت طريقة أهل الفكر في معرفة الحق ، فهو لسانهم ليس لساننا ، وإن كان حقا ولكن ننسبه إليهم فإنه نقل عنهم ، فلم تبرح