وهذا حصر مدارك العقل عند العقلاء ، فلا يوجد معلوم قطعا للعقل من حيث ما هو خارج عما وصفنا ، إلا بأن نعلم ما انفصل به عن غيره ، إما من جهة جوهره أو طبعه أو حاله أو هيئته ، ولا يدرك العقل شيئا لا توجد فيه هذه الأشياء البتة ، وهذه الأشياء لا توجد في اللّه تعالى ، فلا يعلمه العقل أصلا من حيث هو ناظر وباحث ، وكيف يعلمه العقل من حيث نظره وبرهانه ، الذي يستند إليه الحس أو الضرورة أو التجربة ، والباري تعالى غير مدرك بهذه الأصول التي يرجع إليها العقل في برهانه ، وحينئذ يصح له البرهان الوجودي ، فكيف يدعي العاقل أنه قد علم ربه من جهة الدليل ، وأن الباري معلوم له ، ولو نظر إلى المفعولات الصناعية والطبيعية والتكوينية والانبعاثية والإبداعية ، ورأى جهل كل واحد منها بفاعله ، لعلم أن اللّه تعالى لا يعلم بالدليل أبدا ، لكن يعلم أنه موجود ، وأن العالم مفتقر إليه افتقارا ذاتيا لا محيص عنه البتة ، قال اللّه تعالى
يا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ
فمن أراد أن يعرف لباب التوحيد ، فلينظر في الآيات الواردة في التوحيد من الكتاب العزيز ، التي وحد بها نفسه ، فلا أحد أعرف من الشيء بنفسه ، فلتنظر بما وصف نفسه وتسأل اللّه تعالى أن يفهمك ذلك ، فستقف على علم إلهي لا يبلغ إليه عقل بفكره أبد الآباد . ( ف ح 1 / 91 ، 92 )
فالعلم باللّه عزيز عن إدراك العقل والنفس ، إلا من حيث أنه موجود تعالى وتقدس ، وكل ما يتلفظ به في حق المخلوقات أو يتوهم في المركبات وغيرها ، فاللّه سبحانه في نظر العقل السليم - من حيث فكرته وعصمته - بخلاف ذلك ، لا يجوز عليه ذلك التوهم ، ولا يجري عليه ذلك اللفظ عقلا من الوجه الذي تقبله المخلوقات ، فإن أطلق عليه فعلى وجه التقريب على الأفهام ، لثبوت الوجود عند السامع ، لا لثبوت الحقيقة التي هو الحق عليها ، فإن اللّه تعالى يقول
لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ
ولكن يجب علينا شرعا من أجل قوله تعالى لنبيه صلى اللّه عليه وسلم
فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ
يقول : اعلم من إخباري الموافق لنظرك ليصح لك الإيمان علما ، كما صح لك العلم من غير إيمان ، الذي هو قبل التعريف ، فأمره ، فمن أجل هذا الأمر على نظر بعض الناس ورأيه فيه ، نظرنا من أين نتوصل إلى معرفته ؟ فنظرنا على حكم الإنصاف وما أعطاه العقل الكامل ، بعد جده واجتهاده الممكن منه ، فلم نصل إلى