الأمر الثالث : هم الذين كشف اللّه عن أعين بصائرهم غطاء الجهل ، فأشهدهم آيات أنفسهم وآيات الآفاق ، فتبين لهم أنه الحق لا غيره ، فآمنوا به بل علموه بكل وجه ، وهي طائفة من المنزهة أيضا ، وهي العالية وهم من أصحابنا ، فرغوا قلوبهم من الفكر والنظر . وأخلوها ، إذ كان المتقدمون من الطوائف المتقدمة المتأولة أهل فكر ونظر وبحث ، فقامت هذه الطائفة المباركة - والكل « 1 » موفقون بحمد اللّه - وقالت : حصل في نفوسنا تعظيم الحق جل جلاله ، بحيث لا نقدر أن نصل إلى معرفة ما جاء من عنده بدقيق فكر ونظر ، فأشبهت في هذا العقد المحدثين السالمة عقائدهم ، حيث لم ينظروا ولا تأولوا ولا صرفوا ، بل قالوا : ما فهمنا ، فقال أصحابنا بقولهم ، ثم انتقلوا عن مرتبة هؤلاء بأن قالوا :
لنا أن نسلك طريقة أخرى في فهم هذه الكلمات ، وذلك بأن نفرغ قلوبنا من النظر الفكري ، ونجلس مع الحق تعالى بالذكر على بساط الأدب والمراقبة والحضور ، والتهيؤ لقبول ما يرد علينا منه تعالى ، حتى يكون الحق تعالى يتولى تعليمنا على الكشف والتحقيق ، لما سمعته يقول
وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ
ويقول
إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً
وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً
وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً
فعند ما توجهت قلوبهم وهممهم إلى اللّه تعالى ولجأت إليه ، وألقت عنها ما استمسك به الغير من دعوى البحث والنظر ونتائج العقول ، كانت عقولهم سليمة وقلوبهم مطهرة فارغة ، فعندما كان منهم هذا الاستعداد ، تجلى الحق لهم معلما ، فأطلعتهم تلك المشاهدة على معاني هذه الأخبار والكلمات دفعة واحدة ، وهذا ضرب من ضروب المكاشفة ، فإنهم إذا عاينوا بعيون القلوب من نزهته العلماء المتقدم ذكرهم بالإدراك الفكري ، لم يصح لهم عند هذا الكشف والمعاينة ، أن يجهلوا خبرا من هذه الأخبار التي توهم ، ولا أن يبقوا ذلك الخبر منسحبا على ما فيه من الاحتمالات النزيهة من غير تعيين ، بل يعرفون الكلمة والمعنى النزيه الذي سيقت له ، فيقصروها على ما أريدت به له ، وإن جاء في خبر آخر ذلك اللفظ عينه ، فله وجه آخر من تلك الوجوه المقدسة معين عند هذا المشاهد ، هذا حال طائفة منا ، وطائفة أخرى منا أيضا ، ليس لهم هذا التجلي ، ولكن لهم
هامش
( 1 ) يعني الشيخ بالكل هنا الطوائف المنزهة لا المشبهة والمجسمة .