أهل الظاهر أهل الجمود منهم ، القاصرة أفهامهم عن استحقاق كل مستحق حقه ، فقال عن نفسه إنه الجبار المتكبر عن هذا المفهوم ، وإن اتصف بما اتصف به فله تعالى الكبرياء من ذاته ، وله التكبر عن هذا المفهوم لا عن الاتصاف ، لأنه لو تكبر عما وصف به نفسه مما ذكرنا لكان كذبا ، والكذب في خبره محال ؛ فالاتصاف بما وصف به نفسه حق يعلمه أو لو الألباب ، ولا ظهر الحق إلا بما هو له ، لا من صفات التنزيه ولا من صفات التشبيه ، كل ذلك له ، ولو لم يكن الأمر كذلك ، لكان ما وصف نفسه من ذلك كذبا ، وتعالى اللّه ، بل هو كما وصف نفسه من العزة والكبرياء والجبروت والعظمة ونفي المماثلة ، كما وصف نفسه بالنسيان والمكر والخداع والكيد والفرح والمعية وغير ذلك ، فالكل صفة كمال للّه تعالى ، فهو موصوف بها كما تقتضيه ذاته ، وأنت موصوف بها كما تقتضيه ذاتك .
والعين واحدة « 1 » والحكم مختلف * والعبد يعبد والرحمن معبود
( ف ح 4 / 209 - ح 2 / 483 - كتاب الإسفار )
وما ضل من ضل من المشبهة إلا بالتأويل ، وحمل ما وردت به الآيات والأخبار على ما يسبق منها إلى الأفهام ، من غير نظر فيما يجب للّه تعالى من التنزيه ، فقادهم ذلك إلى الجهل المحض والكفر الصراح ، ولو طلبوا السلامة وتركوا الأخبار والآيات على ما جاءت ، من غير عدول منهم فيها إلى شيء البتة ، ويكلون علم ذلك إلى اللّه تعالى ولرسوله ، ويقولون :
لا ندري ، وكان يكفيهم قول اللّه تعالى
لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ
فمتى جاءهم حديث فيه تشبيه فقد أشبه اللّه شيئا ، وهو قد نفى الشبه عن نفسه سبحانه ، فما بقي إلا أن ذلك الخبر له وجه من وجوه التنزيه يعرفه اللّه تعالى ، وجيء به لفهم العربي الذي نزل القرآن بلسانه ، وما نجد لفظة في خبر ولا آية - جملة واحدة - تكون نصا في التشبيه أبدا ، وإنما تجدها عند العرب تحتمل وجوها ، منها ما يؤدي إلى التشبيه ومنها ما يؤدي إلى التنزيه ، فحمل المتأول ذلك اللفظ على الوجه الذي يؤدي إلى التشبيه جور منه على ذلك اللفظ ، إذ لم يوف حقه بما
هامش
( 1 ) العين واحدة ، يعني بها عين الصفة من الكبرياء والفرح إلى غير ذلك ، أو أن العين واحدة الذات ، والحكم مختلف من حيث اختلاف حكم العلم عن حكم الإرادة عن حكم السمع .