يعطيك التشبيه والتمثيل ، وأن الحقيقة لا تقبل ذلك أصلا ، ولكن تتفاضل العلماء السالمة عقائدهم من التجسيم ، فإن المشبهة والمجسمة يطلق عليهم علماء من حيث علمهم بأمور غير هذا ، فتفاضل العلماء في هذا الصرف عن هذا الوجه الذي لا يليق بالحق تعالى ؛ وقد تقرر عند جميع المحققين الذين سلموا الخبر لقائله ، ولم ينظروا ولا شبهوا ولا عطلوا ، والمحققين الذين بحثوا واجتهدوا ونظروا على طبقاتهم أيضا ، والمحققين الذين كوشفوا وعاينوا ، والمحققين الذين خوطبوا وألهموا ، أن الحق لا تدخل عليه تلك الأدوات - المقيدة بالتحديد والتشبيه - على حد ما نعقله في المحدثات ، ولكن تدخل عليه بما فيها من معنى التنزيه والتقديس ، على طبقات العلماء والمحققين في ذلك ، لما فيه وتقتضيه ذاته من التنزيه ، وإذا تقرر هذا فقد تبين أنها أدوات التوصيل إلى أفهام المخاطبين ، وكل عالم حسب فهمه فيها وقوة نفوذه وبصيرته ، فعقيدة التكليف هينة الخطب ، فطر العالم عليها ، ولو بقيت المشبهة على ما فطرت عليه ما كفرت ولا جسمت ، وإن كان ما أرادوا التجسيم وإنما قصدوا إثبات الوجود ، لكن لقصور أفهامهم ما ثبت لهم إلا بهذا التخيل ، فلهم النجاة .
( ف ح 1 / 88 ، 90 )
وإذ قد ثبت هذا عند المحققين مع تفاضل رتبهم في درج التحقيق ، فلنقل إن الحقائق أعطت لمن وقف عليها ، أن لا يتقيد وجود الحق مع وجود العالم بقبلية ولا معية ولا بعدية زمانية ، فإن التقدم الزماني والمكاني في حق اللّه ترمي به الحقائق في وجه القائل به على التحديد ، اللهم إلا إن قال به من باب التوصيل كما قاله الرسول صلى اللّه عليه وسلم ونطق به الكتاب ، إذ ليس كل أحد يقوى على كشف هذه الحقائق ، فلم يبق لنا أن نقول إلا : أن الحق تعالى موجود بذاته لذاته ، مطلق الوجود غير مقيد بغيره ، ولا معلول عن شيء ، ولا علة لشيء ، بل هو خالق المعلولات والعلل ، والملك القدوس الذي لم يزل ، وأن العالم موجود باللّه تعالى لا بنفسه ولا لنفسه ، مقيد الوجود بوجود الحق في ذاته ، فلا يصح وجود العالم البتة إلا بوجود الحق ، وإذا انتفى الزمان عن وجود الحق وعن وجود مبدأ العالم ، فقد وجد العالم في غير زمان ، فلا نقول من جهة ما هو الأمر عليه ، أن اللّه موجود قبل العالم ، إذ قد ثبت أن القبل من صيغ الزمان ولا زمان ، ولا أن العالم موجود بعد وجود الحق ، إذ لا بعدية ، ولا مع وجود
الفقه عند الشيخ الأكبر — صفحة 125
مساهمون: محمود محمود الغراب
ص١٢٥