تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفقه عند الشيخ الأكبر — صفحة 122

مساهمون:

ص١٢٢
ليعرفهم به المعرفة التي ليست عندهم ، مما كانوا قد أحالوا مثل ذلك على الحق تعالى ، وسلبه عنه أهل الأدلة النظرية ، وأثبتوا تلك الصفات للمحدثات دلالة على حدوثها ، فلما سمعوا ما تنكره الأدلة العقلية النظرية وترده ، افترقوا عند ذلك على فرق : فمنهم من ارتد على عقبه ، وشك في دليله الذي دله على صدقه ، وأقام له في ذلك الدليل شبهات قادحة فيه ، صرفته عن الإيمان والعلم به ، فارتد على عقبه ، ومنهم من قال : إن في جمعنا هذا من ليس عنده سوى نور الإيمان ، ولا يدري ما العلم ولا ما طريقه ؟ وهذا الرسول لا نشك في صدقه وفي حكمته ، ومن الحكمة مراعاة الأضعف ، فخاطب هذا الرسول بهذه الصفات التي نسبها إلى ربه أنه عليها ، هذا الضعيف الذي لا نظر له في الأدلة ، وليس عنده سوى نور الإيمان رحمة به ، لأنه لا يثبت له الإيمان إلا بمثل هذا الوصف ، وللحق أن يصف نفسه بما شاء على قدر عقل القابل ، وإن كان في نفسه على خلاف ذلك ، واتكل هذا المخبر بهذا الوصف - والمراعي حق هذا الأضعف - على ما يعرفه من علمنا به ، وتحققنا من صدقنا فيه ، ووقوفنا مع دليلنا ، فلا يقدح شيء من هذا فيما عندنا ، إذ قد عرفنا مقصود هذا الرسول بالأمر ، فثبتوا على إيمانهم ، مع كونهم أحالوا ما وصف الرسول به ربه في أنفسهم ، وأقروه حكمة واستجلابا للأضعف ، وفرقة أخرى من الحاضرين قالوا : هذا الوصف يخالف الأدلة ، ونحن على يقين من صدق هذا المخبر ، وغايتنا في معرفتنا باللّه سلب ما نسبناه لحدوثها ، فهذا اعلم باللّه منا في هذه النسبة ، فنؤمن بها تصديقا له ، ونكل علم ذلك إليه وإلى اللّه ، فإن الإيمان بهذا اللفظ ما يضرنا ، ونسبة هذا الوصف إليه تعالى مجهولة عندنا ، لأن ذاته مجهولة من طريق الصفات الثبوتية ، والسلب فما يعول عليه ، والجهل باللّه هو الأصل ، فالجهل بنسبة ما وصف الحق نفسه به في كتابه أعظم ، فلنسلم ولنؤمن على علمه بما قاله في نفسه ، وفرقة أخرى من الحاضرين قالوا : لا نشك في دلالتنا على صدق هذا المخبر ، وقد أتانا في نعت اللّه الذي أرسله إلينا بأمور ، إن وقفنا عند ظاهرها وحملناها عليه تعالى كما نحملها على نفوسنا ، أدى إلى حدوثه وزال كونه إلها ، وقد ثبت ، فننظر هل لها مصرف في اللسان الذي جاء به ؟ فإن الرسول ما أرسل إلا بلسان قومه ، فنظروا أبوابا مما يؤول إليها ذلك الوصف ، مما يقتضي التنزيه وينفي التشبيه ، فحملوا تلك الألفاظ على ذلك