أراد بنسبة القدم ما عينته المنزهة على زعمها واقتصرت عليه ، فجاء بالهرولة لإثبات القدمية ، فينزه العبد ربه عن الهرولة المعتادة في العرف ، وأنها على حسب ما يليق بجلاله سبحانه ، فإنه لا يقدر أن يصفه بها ، إذ كان الحق أعلم بنفسه ، وقد أثبت لنفسه هذه الصفة ، فمن رد نسبتها إليه فليس بمؤمن ، ولكن الذي يجب عليه أن يرد العلم بها إلى اللّه ، أعني علم النسبة ، وأما معقولية الهرولة فما خاطب أهل اللسان إلا بما يعقلونه ، فالهرولة معقولة وصورة النسبة مجهولة ، وكذلك جميع ما وصف به نفسه مما توصف به المحدثات .
( ف ح 4 / 73 ، 319 - ح 1 / 349 ، 345 )
واعلم أنه قد تقرر عند أصحاب الأفكار ، أن للّه صفات وأسماء لها مراتب ، وللعبد التخلق بها على حد مخصوص ونعت منصوص عليه وحال معين ، إذا تعدى ذلك العبد كان للحق منازعا ، واستحق الإقصاء والطرد عن القرب السعادي ، كما ورد في قوله تعالى الكبرياء ردائي والعظمة إزاري من نازعني واحدا منهما قصمته وللعبد صفات وأسماء تليق به ، وقد داخله الحق في الاتصاف بها مما تحيله العقول ، ولكن وردت به الشرائع ووجب الإيمان بها ، فلا يقال : كيف ؟ مع إطلاقها عليه قربة وإيمانا ، من لم يقل بها وأنكرها فقد كفر ومرق من الإسلام ، ومن تأولها كان على قدم الغرور ، فلا نعلم نسبتها إلى اللّه إلا بإعلام اللّه ، فالعارف من عبد اللّه من حيث ما شرع ، لا من حيث ما عقل من طريق النظر ، فالعقل قيّد موجده ، والشرع والكشف أرسله وهو الحق ، فالسعيد من عقله الشرع لا من عقله غير الشرع ؛ فإن العقل ينافي المضاهاة ، والشرع يثبت وينفي ، والإيمان بما جاء به الشرع هو السعادة ، فلا يتعدى العاقل ما شرع اللّه له . والعاقل من هجر عقله واتبع شرعه بعقله من كونه مؤمنا ، وأكمل العقول عقل ساوى إيمانه ، وهو عزيز ؛ فاعبدوا اللّه عباد اللّه ، على النعت الذي وصف به نفسه في كتابه أو على ألسنة رسله ، من غير زيادة ولا نقصان ، ولا تأويل يؤدي إلى تطفيف أو رجحان ، بل سلّم إليه جل جلاله ما وصف به نفسه ، وإن استحال أو تناقض ، فذلك لقصورنا وجهلنا بما هو الأمر عليه .
( ف ح 4 / 3 ، 409 ، 411 - ح 2 / 175 )
الفقه عند الشيخ الأكبر — صفحة 120
مساهمون: محمود محمود الغراب
ص١٢٠