ولما عجزنا عن معرفة اللّه ويحق لنا العجز ، فينبغي لنا إذا تركنا وعقولنا وحقائقنا ، أن نلتزم نفي ما يصح في حق المخلوقين عنه ، فإن قوة العقل تعطي ذلك ، غير أن قوة العقل والدليل الواضح ، قاما للعقل على تصديق الرسول ، الذي بعثه إلينا في إخباره ، الذي يخبر به عن ربه بما يكون منه سبحانه في خلقه ، وبما يكون عليه سبحانه في نفسه ، وبما يصف به نفسه مما يحيله عليه العقل إذا انفرد بدليله دون الشارع ، فالعاقل الحازم يقف ذليلا مشدود الوسط في خدمة الشرع ، قابلا لكل ما يخبر به عن ربه سبحانه وتعالى مما يكون عليه منه ، وهذا كله واجب على كل مسلم الإيمان به ، ولا يقول العقل هنا : كيف ؟ ولا : لم كان كذا ؟
بل يسلم ويستسلم ويصدق ولا يكيف ، فإنه
لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ
فإن علمت ما قررناه ، جمعت بين الإيمان الذي هو الدين الخالص ، وبين ما تستحقه مرتبتك من التسليم للّه في كل ما يخبر به عن نفسه ، ولا يتمكن في الإفصاح عن هذا المقام بأكثر من هذا ولا أبلغ ، إلا أن يخبر الحق بما هو أجلى في النسبة وأوضح ، وإنما غاية المخلوق من هذا الأمر - بمجرد عقله - هذا الذي قررناه ، إلا عقولا أدركها الفضول فتأولت هذه الأمور ، فنحن نسلّم لهم حالهم ولا نشاركهم في ذلك التأويل ، فإنا لا ندري ، هل ذلك مراد اللّه بما قاله فنعتمد عليه ، أوليس بمراده فنرده ؟ فلهذا التزمنا التسليم ، فإذا سئلنا عن مثل هذا قلنا : إنا مؤمنون بما جاء من عند اللّه على مراد اللّه به ، وإنا مؤمنون بما جاء عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ورسله عليهم السلام ، على مراد رسوله صلى اللّه عليه وسلم ومراد رسله عليهم السلام ، ونكل العلم في كل ذلك إليه سبحانه وإليهم ، وقد تكون الرسل بالنسبة إلى اللّه في هذا الأمر مثلنا ، يرد عليها هذا الإخبار من اللّه فتسلمه إليه سبحانه وتعالى كما سلمناه ، ولا تعرف تأويله ، هذا لا يبعد ، وقد تكون تعرف تأويله بتعريف اللّه تعالى بأي وجه كان ، هذا أيضا لا يبعد ، وهذه كانت طريقة السلف جعلنا اللّه لهم خلفا بمنه ، فطوبى لمن راقب ربه ، وخاف ذنبه ، وعمّر بذكر اللّه قلبه ، وأخلص للّه حبه . ( ف ح 3 / 58 )
وزيادة في الإيضاح نقول : لما أخذ الرسول يصف للناس « 1 » مرسله الحق تعالى ،
هامش
( 1 ) وهم الذين صدقوا ، وهم أصناف ثلاثة : صنف له نور العلم ، وصنف له نور الإيمان ، وصنف جمع اللّه له نور العلم ونور الإيمان .