تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفقه عند الشيخ الأكبر — صفحة 117

مساهمون:

ص١١٧
وقد بلغت نفسي إذا هي أنصفت * وقالت بقول الشرع فيه مناها فيا قارىء القرآن شرعك فالتزم * فما آية إلا يزيد رضاها وما طعمة الأفكار إلا تغصص * إذا هي لم تبلغ لديه إناها
لما كان القرآن منزلا على لسان العرب ، ففيه ما في اللسان العربي ، ولما كانت الأعراب لا تعقل ما لا يعقل حتى ينزل لها في التوصيل بما تعقله ، لذلك جاءت هذه الكلمات على هذا الحد ، كما قال
ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى
ولما كانت الملوك عند العرب تجلس عبدها المقرب المكرم منها بهذا القدر في المساحة ، فعقلت من هذا الخطاب قرب محمد صلى اللّه عليه وسلم من ربه ، ولا تبالي بما فهمت من ذلك سوى القرب ، فالبرهان العقلي ينفي الحد والمسافة ؛ فإن علم الخلق باللّه لا يدرك بقياس ، وإنما يدرك بإلقاء السمع لخطاب الحق ، إما بنفسه وإما بلسان المترجم عنه وهو الرسول ، مع الشهود الذي لا يسعه معه غير ما سمعه من الخطاب ، كما قال
إِنَّ فِي ذلِكَ
إشارة لما تقدم من الآيات
لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ
فأحال على النظر الفكري بتقلب الأحوال عليه
أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ
وما عدا هذين الصنفين فلا طريق لهم إلى العلم بما يستحقه الحق أن يضاف إليه . فالحق تعالى - بدليل العقل والشرع - أحديّ الكثرة بأسمائه الحسنى وصفاته أو نسبه ، وهو بالشرع خاصة أحديّ الكثرة في ذاته بما أخبر به عن نفسه بقوله
بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ
و
لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ
و
تَجْرِي بِأَعْيُنِنا
و « القلب بين إصبعين من أصابع الرحمن » و
السَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ
و « كلتا يدي ربي يمين مباركة » وهذه كلها وأمثالها أخبار عن الذات ، أخبر اللّه بها عن نفسه ، والأدلة العقلية تحيل ذلك ، فإن كان السامع صاحب النظر العقلي مؤمنا ، تكلف التأويل في ذلك لوقوفه مع عقله . وقد جاء الشرع وهو ما ترجمه الرسول صلى اللّه عليه وسلم عن اللّه وقال : إنه كلام اللّه ، وأقام الأدلة على صدقه أنه من عند اللّه ، وأخبر أنه في كل ما ينطق ما ينطق عن الهوى ، إن هو إلا وحي يوحى ، ينزل به الروح الأمين على قلبه أو يلهمه اللّه إلهاما في نفسه ، بأنه تعالى على كذا وكذا ، من أمور وصف بها نفسه ، وذكر عن ذاته أنها على ما أخبر ، بعبارات تعلم في العرف بالتواطؤ معانيها ، لا نشك في ذلك بأي لسان أرسل ذلك الرسول ، وأضاف
الفقه عند الشيخ الأكبر — صفحة 117 | محمود محمود الغراب