القيامة بين عباده ، وبما أنزل في الدنيا من الأحكام المشروعة والنواميس الوضعية الحكمية ، كل ذلك من الاسم الحكم العدل بحكمه بالحق وإقامة الملة الحنيفية :
قالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ
فهو ميل إليه ، إذ قد جعل للهوى حكما ، من اتبعه ضل عن سبيل اللّه اللطيف بعباده ، فإنه يوصل إليهم العافية مندرجة في الأدوية الكريهة ، فأخفى من ضرب المثل في الأدوية المؤلمة المتضمنة الشفاء والراحة لا يكون ، فإنه لا أثر لها في وقت الاستعمال ، مع علمنا بأنها في نفس استعمال ذلك الدواء ، ولا نحس بها للطافتها ، ومن باب لطفه سريانه في أفعال الموجودات ، وهو قوله :
وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ
ولا نرى الأعمال إلا من المخلوقين ، ونعلم أن العامل لتلك الأعمال إنما هو اللّه ، فلو لا لطفه لشوهد الخبير بما اختبر به عباده ، ومن اختباره قوله :
حَتَّى نَعْلَمَ
فيرى هل ننسب إليه حدوث العلم أم لا ؟ فانظر أيضا هذا اللطف ، ولذلك قرن الخبير باللطيف ، فقال : اللطيف الخبير الحليم هو الذي أمهل وما أهمل ، ولم يسارع بالمؤاخذة لمن عمل سوءا بجهالة ، مع تمكنه أن لا يجهل وأن يسأل ، وينظر حتى يعلم العظيم في قلوب العارفين به الشكور لطلب الزيادة من عباده مما شكرهم عليه وذكرهم به ، من عملهم بطاعته والوقوف عند حدوده ورسومه وأوامره ونواهيه ، وهو يقول :
لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ
فبذلك يعامل عباده ، فطلب منهم بكونه شكورا أن يبالغوا فيما شكرهم عليه العلي في شأنه وذاته ، عما يليق بسمات الحدوث وصفات المحدثات الكبير بما نصبه المشركون من الآلهة ، ولهذا قال الخليل في معرض الحجة على قومه ، مع اعتقاده الصحيح أن اللّه هو الذي كسر الأصنام المتخذة آلهة ، حتى جعلها جذاذا ، مع دعوى عابديها بقولهم
ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى
فنسبوا الكبر له تعالى على آلهتهم ، فقال إبراهيم عليه السلام
بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ
وهنا الوقف ، ويبتدئ
هذا فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ
فلو نطقوا لاعترفوا بأنهم عبيد ، وأن اللّه هو الكبير العلي العظيم الحفيظ بكونه بكل شيء محيطا ، فاحتاط بالأشياء ليحفظ عليها وجودها ، فإنها قابلة للعدم كما هي قابلة للوجود ، فمن شاء سبحانه أن يوجده فأوجدوه ، حفظ عليه وجوده ، ومن لم يشأ أن يوجد وشاء أن يبقيه في العدم ، حفظ عليه العدم ، فلا يوجد ما دام يحفظ عليه العدم ، فإما أن يحفظه دائما أو إلى أجل مسمى المقيت بما قدر في الأرض من