الخلق بالإيجاد في الرتبة الثانية ، وكل ما ظهر من العالم ويظهر فهو فيها ، وما ثمّ رتبة ثالثة فهي الآخر ، والأولى للحق فهو الأول ، فالخلق من حيث وجوده ، لا يكون في الأول أبدا وإنما له الآخر ، والحق معه في الآخر ، فإنه مع العالم أينما كانوا ، وقد تسمى بالآخر فاعلم المعيد عين الفعل ، من حيث ما هو خالق وفاعل وجاعل وعامل ، فهو إذا خلق شيئا وفرغ من خلقه ، عاد إلى خلق آخر ، لأنه ليس في العالم شيء يتكرر ، وإنما هي أمثال تحدث ، وهي الخلق الجديد ، وأعيان توجد المحيي بالوجود كل عين ثابتة ، لها حكم قبول الإيجاد ، فأوجدها الحق في وجوده المميت في الزمان الثاني فما زاد من زمان وجودها ، فمفارقتها وانتقالها لحال الوجود الذي كان لها موت ، وقد يرجع إلى حكمها من الثبوت الذي كان لها ، فمن المحال وجودها بعد ذلك حتى تفرغ ، وهي لا تفرغ لعدم التناهي فيها الحي لنفسه ، لتحقيق ما نسب إليه مما لا يتصف به إلا من شرطه أن يكون حيا القيوم لقيامه على كل نفس بما كسبت الواجد بالجيم ، لما طلب فلحق ، فلا يفوته هارب ، كما لا يلحقه في الحقيقة طالب معرفته الواحد الأحد من حيث ألوهته ، فلا إله إلا هو الصمد الذي يلجأ إليه في الأمور ، ولهذا اتخذناه وكيلا القادر هو النافذ الاقتدار في القوابل الذي يريد فيها ظهور الاقتدار لا غير المقتدر بما عملت أيدينا ، فالاقتدار له والعمل يظهر من أيدينا ، فكل يد في العالم لها عمل فهي يد اللّه ، فإن الاقتدار للّه ، فهو تعالى قادر بنفسه مقتدر بنا المقدم المؤخر من شاء لما شاء ، ومن شاء عما شاء الأول والآخر بالوجوب وبرجوع الأمر كله إليه الظاهر الباطن لنفسه ظهر ، فما زال ظاهرا ، وعن خلقه بطن ، فما يزال باطنا فلا يعرف أبدا البر بإحسانه ونعمه وآلائه التي أنعم بها على عباده التواب لرجوعه على عباده ليتوبوا ، ورجوعه بالجزاء على توبتهم المنتقم ممن عصاه ، تطهيرا له من ذلك ، في الدنيا بإقامة الحدود وما يقوم بالظالم من الآلام ، فإنها كلها انتقام وجزاء خفي لا يشعر به كل أحد ، حتى إيلام الرضيع جزاء العفو لما في العطاء من التفاضل في القلة والكثرة ، فلابد أن يعمها العفو ، فإنه لابد من الأضداد ، كالجليل الرؤوف بما ظهر في العباد من الصلاح والأصلح ، لأنه من المقلوب وهو ضرب من الشفقة الوالي لنفسه على كل من ولي عليه ، فولي على الأعيان الثابتة ، فأثر فيها الإيجاد ، وولي على الموجودات فقدم من شاء وأخر
الفقه عند الشيخ الأكبر — صفحة 110
مساهمون: محمود محمود الغراب
ص١١٠