تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفقه عند الشيخ الأكبر — صفحة 109

مساهمون:

ص١٠٩
الباعث ، فهو من أعجب اسم تسمى الحق به تعريفا لعباده الشهيد لنفسه بأنه لا إله إلا هو ، ولعباده بما فيه الخير والسعادة لهم ، بما جاؤوا به من طاعة اللّه وطاعة رسوله ، وبما كانوا عليه من مكارم الأخلاق ، وشهيد عليهم بما كانوا فيه من المخالفات والمعاصي وسفاسف الأخلاق ، ليريهم منة اللّه وكرمه بهم ، حيث غفر لهم وعفا عنهم ، وكان مآلهم عنده إلى شمول الرحمة ، ودخولهم في سعتها إذ كانوا من جملة الأشياء الحق الوجود ، الذي لا يأتيه الباطل وهو العدم ، من بين يديه ولا من خلفه ، فمن بين يديه من قوله
لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ
ومن خلفه لقول رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « ليس وراء اللّه مرمى » فنسب إليه الوراء وهو الخلف ، فهو وجود حق لا عن عدم ولا يعقبه عدم ، بخلاف الخلق فإنه عن عدم ، ويعقبه العدم من حيث لا يشعر به ، فإن الوجود والإيجاد لا ينقطع ، فما ثمّ في العالم من العالم إلا وجود وشهود ، دنيا وآخرة من غير انتهاء ولا انقطاع ، فأعيان تظهر فتبصر الوكيل الذي وكّله عباده على النظر في مصالحهم ، فكان من النظر في مصالحهم أن أمرهم بالإنفاق على حد معين ، فاستخلفهم فيه بعد ما اتخذوه وكيلا ، فالأموال له بوجه فاستخلفهم فيها ، والأموال لهم بوجه فوكلوه في النظر فيها ، فهي لهم بما لهم فيها من المنفعة ، وهي له بما هي عليه من تسبيحه بحمده ، فمن اعتبر التسبيح قال : إن اللّه ما خلق العالم إلا لعبادته ، ومن راعى المنفعة قال : إن اللّه ما خلق العالم إلا لينفع بعضه بعضا القوي المتين هو ذو القوة ، لما في بعض الممكنات أو فيها مطلقا من العزة ، وهي عدم القبول للأضداد ، فكان من القوة خلق عالم الخيال ، ليظهر فيه الجمع بين الأضداد ، لأن الحس والعقل يمتنع عندهما الجمع بين الضدين ، والخيال لا يمتنع عنده ذلك ، فما ظهر سلطان القوي ولا قوته إلا في خلق القوة المتخيلة وعالم الخيال ، فإنه أقرب في الدلالة على الحق ، فإن الحق هو الأول والآخر ، والظاهر والباطن الولي هو الناصر من نصره ، فنصرته مجازاة ، ومن آمن به فقد نصره ، فالمؤمن يأخذ نصر اللّه من طريق الوجوب الحميد بما هو حامد بلسان كل حامد وبنفسه ، وبما هو محمود بكل ما هو مثنى عليه وعلى نفسه ، فإن عواقب الثناء عليه تعود المحصي كل شيء عددا ، من حروف وأعيان وجودية ، إذ كان التناهي لا يدخل إلا في الموجودات فيأخذه الإحصاء ، فهذه الشيئية شيئة الوجود وفي قوله
وَأَحْصى كُلَّ شَيْءٍ عَدَداً
المبدىء هو الذي ابتدأ