انفراده بذلك في نظره ، لكوننا لا نحيط علما بذاته ، لا بل لا نعلمها رأسا . فالعبد المؤمن ينبغي له أن ينسب إلى الحق ما نسبه الحق إلى نفسه ، على حد ما يعلمه اللّه من ذلك ؛ فأنجى الطوائف من اعتقد في اللّه ما أخبر به عن نفسه على ألسنة رسله ، فإنا نعلم أن الحق صادق في القول ، فلولا أن هذا الحكم عليه صحيح بوجه ما ، ما وجّه به أرساله إلى الكافة من عباده ، ولولا أن له وجها في كل معتقد ما وصف نفسه على ألسنة رسله بالتحول في صور الاعتقادات ، فالأحاديث والآيات الواردة بالألفاظ التي تطلق على المخلوقات باستصحاب معانيها إياها ، ولولا استصحاب معانيها إياها المفهومة من الاصطلاح ، ما وقعت الفائدة بذلك عند المخاطب بها ، إذ لم يرد عن اللّه شرح ما أراد بها مما يخالف ذلك اللسان الذي نزل به هذا التعريف الإلهي ، قال تعالى
وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ
يعني بلغتهم ، ليعلموا ما هو الأمر عليه ، ولم يشرح الرسول المبعوث بهذه الألفاظ هذه الألفاظ ، بشرح يخالف ما وقع عليه الاصطلاح ، فننسب تلك المعاني المفهومة من تلك الألفاظ الواردة إلى اللّه تعالى كما نسبها لنفسه ، ولا نتحكم في شرحها بمعان لا يفهمها أهل ذلك اللسان ، الذي نزلت هذه الألفاظ بلغتهم ، فنكون من الذين يحرفون الكلم عن مواضعه ، ومن الذين يحرفونه من بعد ما عقلوه ، وهم يعلمون بمخالفتهم ، ونقر بالجهل بكيفية هذه النسب ، وهذا هو اعتقاد السلف قاطبة من غير مخالف في ذلك . فجميع ما سمى به الحق نفسه ، لا بل وما وصف به نفسه من صفات الأفعال ، من خلق وإحياء وإماتة ، ومنع وعطاء وجعل ، ومكر وكيد واستهزاء ، وفصل وقضاء ، وجميع ما ورد في الكتب المنزلة ونطقت به الرسل ، من ضحك وفرح ، وتعجب وتبشبش ، وقدم ويد ويدين وأيد وأعين وذراع ، كل ذلك نعت صحيح ، فإنه كلامه تعالى عن نفسه وكلام رسله عنه ، وهو الصادق وهم الصادقون بالأدلة العقلية ، ولكن على حد ما يعلمه وعلى حد ما تقبله ذاته وما يليق بجلاله ، لا نرد شيئا من ذلك ولا نحيله ولا نكيّفه ، ولا نقول بنسبة ذلك كله إليه كما ننسبه إلينا ، نعوذ باللّه ، فإننا ننسبه إلينا على حد علمنا بنا ، فنعرف كيف ننسبه ، والحق يتعالى أن تعرف ذاته ، فيتعالى أن يعرف كيف ننسب إليه ما نسبه إلى نفسه ، ومن رد شيئا أثبته الحق لنفسه في كتابه أو على لسان رسوله ، فقد كفر بما جاء به من عند اللّه وبمن جاء