تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الشيخ محيي الدين بن عربي ترجمة حياته من كلامه — صفحة 89

مساهمون:

ص٨٩

يوسف بن يخلف الكومي أبو يعقوب :

دخلت تحت أمره فربى وأدب ، فنعم المؤدب ونعم المربي ، رأيته في النوم وقد انشق صدره ، وفيه مصباح يضيء كأنه الشمس ، يقول : يا محمد هات ، فأتيته بحقين أبيضين كبيرين ، فتقيأ فيهما لبنا حتى ملأهما ، ثم قال : اشرب ، فشربت ، جلّ ما أنا فيه من بركته وبركة أبي محمد الموروري ، كنت إذا قعدت بين يديه وبين يدي غيره من شيوخنا أرعد ، مثل الورقة في يوم الريح الشديد ، ويتغير نطقي وتتخدر جوارحي ، حتى يعرف ذلك في حالي ، فيؤنسني ويطمع أن يباسطني ، فلا يزيدني ذلك إلا مهابة وإجلالا ، كان رضي الله عنه يحبني ولا يظهر ذلك لي ، ويقرب غيري ويطردني ، ويصوب كلام غيري ، ويوبخني في المحافل والمجالس ويشتمني ، حتى كان أصحابي الذين معي ينسبوني إلى قلة الهمة ، وهم معي تحت نظره ، وفي خدمته ، فما برع من تلك الجماعة غيري ولله الحمد ، ما راضني أحد من مشايخي سوى شيخنا أبي يعقوب يوسف بن يخلف الكومي ، فانتفعت به في الرياضة ، وانتفع بنا في مواجيده ، فكان لي تلميذا وأستاذا ، وكنت له مثل ذلك ، وكان الناس يتعجبون من ذلك ، ولا يعرف واحد منهم سبب ذلك ، وذلك سنة ست وثمانين وخمسمائة ، فإنه كان قد تقدم فتحي على رياضتي ، وهو مقام خطر ، فأفاء الله عليّ بتحصيل الرياضة على يد هذا الشيخ ، جزاه الله عني كل خير ، كان من صدقي في صحبته ، أني أتمناه بالليل في بيتي لمسألة تخطر لي فأراه أمامي ، فأسأله ويجيبني ثم ينصرف ، فأخبره بذلك بكرة ، ويتفق لي معه هذا بالنهار في منزلي إن اشتهيته . أما عن استفادة الشيخ أبي يعقوب من الشيخ الأكبر في مواجيده فإنه يقول : إذا نزلت الأرواح على شخص ما ، يجد من تنزل عليه الثقل ، وضيق النفس ، ولقد كنت انقطعت في القبور مدة منفردا بنفسي ، فبلغني أن شيخنا يوسف بن يخلف الكومي قال : إن فلانا - وسماني - ترك مجالسة الأحياء وراح يجالس الأموات ، فبعثت إليه لو جئتني لرأيت من أجالس ، فصلى الضحى وأقبل إليّ وحده ، فطلب عليّ فوجدني بين القبور قاعدا مطرقا ، وأنا أتكلم على من حضرني من الأرواح ، فجلس إلى جانبي بأدب قليلا قليلا ، فنظرت إليه فرأيته قد تغير لونه وضاق نفسه ، فكان لا يقدر يرفع رأسه من الثقل الذي نزل عليه ، وأنا أنظر إليه وأتبسم ، فلا يقدر أن يبتسم لما هو فيه من الكرب ، فلما فرغت من الكلام وصدر