لعلو منصبي عندهم عن حمل مثل ذلك ، فقال أصحاب الشيخ له : يا سيدنا هذا فلان قد أقبل وما قصر في الطريق ، لقد جاهد نفسه ، نراه يحمل في وسط السوق حيث يراه الناس كذا ، وذكروا له ما كان بيدي ، فقال الشيخ : حتى نسأله بأي نية حمله ، لعله ما حمله مجاهدة لنفسه ، قالوا له : ما ثمّ إلا هذا ، قال : فاسألوه إذا اجتمع بنا ، فلما وصلت إليهم سلمت على الشيخ ، فقال لي بعد رد السلام وسألني بحضور الجماعة ، بأي خاطر حملت هذا في يدك ؟ وهو أمر محقر مستقذر ؟ وأهل منصبك من أرباب الدنيا لا يحملون مثل هذا في أيديهم لحقارته واستقذاره ؟ وذكر لي ما ذكروه ، فقلت له : يا سيدنا حاشاك من هذا النظر ، ما هو نظر مثلك ، إن الله تعالى ما استقذره ، ولا حقره لما علق القدرة بإيجاده ، كما علقها بإيجاد العرش وما تعظمونه من المخلوقات ، فكيف بي - وأنا عبد حقير ضعيف - استحقر واستقذر ما هو بهذا المثابة ؟ وقلت للجماعة : أخطأتم في التأويل عليّ ، والله ما نويت شيئا من ذلك ، ولكني رأيت الله على علو قدره ما نزّه نفسه عن خلق مثل هذا ، فأنزّه نفسي عن حمله ؟ فقبلني الشيخ وشكرني ودعا لي ، وقال لأصحابه : أين هذا الخاطر من حمل المجاهد نفسه ؟ فتعجب الأصحاب ، بل والله في حملي إياه شرفي ، فإنه نظير القدرة في ايجاد عينه ، ولا فرق عند العارفين بين العالي والدون المعتاد ؛ هذا خلوف فم الصائم عند الله أطيب من ريح المسك ، وأين إدراك الشم من الرائحتين ؟ فلا تنظروا في الأشياء المتفاضلة إلا بارتباطها بالحقائق الإلهية ، وإذا كان هذا نظركم فإنكم لا تحقرون شيئا من العالم ، فلا تقس الله ولا تحمله على نفسك ، وخذ الأشياء على ما تعطيها الحقائق ، فعند أهل الكشف والوجود ، كل جزء من العالم ، بل كل شيء في العالم أوجده الله . لا بد أن يكون مستندا في وجوده إلى حقيقة إلهية ، فمن حقره واستهان به ، فإنما حقر خالقه واستهان به . ( ف ج 1 / 223 ، 588 ، 506 - ج 3 / 526 ) .
أبو عمران موسى المارتلي :
رأيت له رؤيا تدل على انتقاله من مقامه إلى ما هو أعلى منه ، فقال لي : بشرتني بشرك الله بالجنة ، فلم يكن إلا يسيرا ونال المقام الذي رأيت له ، فدخلت عليه في اليوم الذي حصل فيه ، والسرور باد على وجهه ، فقام وعانقني ، قلت له : هذا تأويل رؤياي من قبل ، وبقيت دعوتك أن يبشرني الله بالجنة ، فقال : يكون إن شاء الله تعالى ، فماتم الشهر حتى