بشرني الله بالجنة ، بإيجاد آية منه ظهرت لي مصدقة لدعوى المبشر عن الله تعالى ، تحدى بها على صدق بشراه لي بالجنة ، فأنا أقطع بها ولا أشك البتة في أني من أهل الجنة ، كما أنه لا أشك في نبوة محمد صلى اللّه عليه وسلم ، غير أنه لا أدري ، أتمسني النار أم لا ؟ عافانا الله تعالى وإياكم ، وأرجو من كرمه أن لا يفعل .
كانت همته متعلقة بالله في حفظنا وعصمتنا من الفتن والرجوع ، فقضى حاجته في ذلك ، وشهد لي بها وبشرني ، وقال لي منه بمحضر صاحبي عبد الله بدر الحبشي : كنت أتخوف عليك جدا لصغر سنك ، وعدم المعين وفساد الزمان ، وما ظهر لي في أهل هذه الطريقة من الفساد ، وهم الذين ألزموني العزلة لما عاينت من فساد الأحوال ، فالحمد لله الذي أقر عيني بك ، وكان الشيخ أبو عمران قد لزم بيته منذ ستين سنة لا يخرج .
( روح القدس ) .
ولقد لقي بعض أصحابنا بعض الأبدال في سياحته ، فأخذ يذكر له ما هم الناس عليه من فساد الأحوال في الملوك والرعايا ، فغضب البدل وقال له : ما لك وعباد الله ؟ لا تدخل بين السيد وعبده ، فإن الرحمة والمغفرة والإحسان لهؤلاء يطلبون ، أتريد أن تبفى الألوهية معطلة الحكم ؟ اشتغل بنفسك ، وأعرض عن هذه الأشياء ، وليكن نظرك إليه تعالى وشغلك بالله ، ولقد اتفق في بدايتي - وما ثمّ إلا بداية وأما النهاية فمقولة غير معقولة - دخلت على شيخنا أبي العباس العريبي وأنا في مثل هذه الحال ، وقد تكدر علي وقتي ، لما أرى الناس فيه من مخالفة الحق ، فقال لي صاحبي : عليك بالله ، فخرجت من عنده ودخلت على شيخنا أبي عمران الميرتلي وأنا على تلك الحالة ، فقال لي : عليك بنفسك ، فقلت له : يا سيدنا قد حرت بينكما ، هذا أبو العباس يقول عليك بالله ، وأنت تقول عليك بنفسك ، وأنتما إمامان دالان على الحق ، فممن أسمع ؟ فبكى أبو عمران وقال لي :
يا حبيبي الذي دلّك عليه أبو العباس هو الحق وإليه الرجوع ، أنا مع نفسي ، وأحمد مع ربه ، وكل واحد منا دلك على ما يقتضيه حاله ، وأرجو إن شاء الله أن يلحقني بالمقام الذي أشار إليه أبو العباس ، فاسمع منه فإنه أولى بي وبك ، فما أحسن إنصاف القوم ، فرجعت إلى أبي العباس وذكرت له مقالة أبي عمران ، فقال لي : أحسن في قوله ، هو دلك على الطريق وأنا دللتك على الرفيق ، فاعمل بما قال لك ، وبما قلته لك ، فتجمع بين الرفيق والطريق . ( ف ج 2 / 177 ) .
الشيخ محيي الدين بن عربي ترجمة حياته من كلامه — صفحة 88
مساهمون: محمود محمود الغراب
ص٨٨