خلاف هذا فنعلم أن الله ما أطلعه قط على هذا الوجه الخاص ، ولا فتح له فيه ، وأنه شخص لا يعبأ الله به ، فإنه ما من أحد أعظم أدبا مع الشرع ، ولا اعتقادا حقيقيا فيه أنه الحق كما يعلمه العامي سواء ، إلا أهل هذا الوجه ، فإنهم يعلمون الأمور على ما هي عليه ، فيعلمون أن حظهم من هذا الأمر المشروع والتكليف ، وحظ الآتي به وهو الرسول ، وحظّ العامة المخاطبين أيضا به على السواء ، لا فضل لأحدهم على الآخر فيه ، لأنه لذاته ورد لا لأمر آخر ، فالذي يحرم بالعموم في الخطاب المشروع على واحد ، يعم جميع المكلفين من غير اختصاص ، حتى لو قال بتحليل ذلك في حق شخص يتوجه عليه به لسان الذم في الظاهر كان كافرا عند الجميع ، وكان كاذبا في دعواه أنه من أهل هذا الوجه ، فإن أخص علوم هذا الوجه ما جاءت به الشرائع . ( ف ج 3 / 559 ) .
الموت في عين الحياة الدنيا :
قال صلى اللّه عليه وسلم : من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه ، وأخبرنا في الكشف بالإخبار الإلهي المنفوث في الروع من الوجه الخاص ، فقيل لنا : « من استحى من لقاء الله آنسه الله وأزال خجله » وذلك أن العبد ما يجعله يستحيي ، إلا ما ظهر به من المخالفة أو التقصير عن حق الاستطاعة ، وما ثمّ غير هذين ، فأنس الحق في ذلك أن يقول له : يا عبدي إنما كان ذلك بقضائي وقدري ، فأنت موضع جريان حكمي ، فيأنس العبد بهذا القول ، فلو قال هذا القول العبد لله لأساء الأدب مع الله ، ولم يسمع منه ، وبهذا بعينه يؤنسه الحق ، فهو من جانب الحق في غاية الحسن ، ومن جانب الخلق في غاية القبح ، قال صلى اللّه عليه وسلم : الحياء خير كله ، وقال : الحياء لا يأتي إلا بخير ، وأي خير أعظم من هذا الخير ، أن يقيم الحق حجة العبد أنسا له ومباسطة ، وإزالة خجل ، ورفع وجل ، فسبحان اللطيف الخبير المنعم المتفضل - ولما ورد عليّ هذا التعريف الإلهي لم يسعني وجود ، بل ضاق عني الوجود ، مما امتلأت من هذا الخطاب والتعريف الإلهي ، حيث جعلني محلا لخطابه ، وأهّلني لما أهّل له أهل خصوصه ، وقد علمنا أن لقاء الله لا يكون إلا بالموت ، وعلمنا معنى الموت فاستعجلناه في الحياة الدنيا ، فمتنا في عين حياتنا عن جميع تصرفاتنا وحركاتنا وإراداتنا ، فلما ظهر الموت علينا في حياتنا ، التي لا زوال لها عنا حيث كنا ، التي بها تسبح ذواتنا وجوارحنا وجميع أجزائنا ، لقينا الله فلقينا ، فكان لنا حكم من