تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الشيخ محيي الدين بن عربي ترجمة حياته من كلامه — صفحة 77

مساهمون:

ص٧٧
المحبة التي هي أعظم وأخص من الخلة ، لأن الخليل يصحبك لك ، والمحب يصحبك لنفسه ، فشتان ما بين الخلة والمحبة ، فالخليل يعتضد بخليله ، والحبيب يبطن في محبه ، فيقيه بنفسه ، فالحق مجن المحبوب ، والخليل مجن خليله ، ألا ترى إلى ما أجرى الله في نفوس العالم ، حيث يجعلون الخبز والملح سببا موجبا لأن يكون كل واحد من الشخصين الذين بينهما الممالحة فداء لصاحبه ، يقيه من كل مكروه ، ويحفظ عليه حفظه على نفسه . وكذلك هو الأمر عليه في عينه ، ولما شهدناه مع الحق مشاهدة عين ، ووقعت الممالحة ، ورأيت أثرها بحمد الله برهانا قاطعا ، قلت في ذلك ؛
لآكلنّ الخبز والملحا * حتى أرى البرهان والفتحا وأنظر الأمر الذي قد بدا * يثبت في اللوح فلا يمحى وأطلب الحرب من أجل العدا * لا أطلب السلم ولا الصلحا فلو أتاني الأمر من عنده * أمر يريني الكشف والشرحا ألزمت نفسي طلبا للعلا * أن تؤثر المعروف والنصحا وقلت للباني ألا فابن لي * من عمل الأرواح لي صرحا عسى أرى بلقيس إذ شمرت * عن ساقها إذ أبصرت صرحا تخيّلت بأنه لجة * فأضربت عن عرشها صفحا ما عرفت إذ أبصرت نفسها * سترا ولا كشفا ولا لمحا
فأعطاه الخبز والملح أن لا يتخذ عدوا لله محبوبا ولا محبا ، وانظر ما أثر عند الخليل إيثاره لجناب الحق ، من عداوة أبيه في الله تعالى . فالله يجعلنا ممن آثر الحق ، على هواه ، وأن يجعل ذلك مناه . ( ف ج 3 / 272 ) . قال تعالى :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ ، تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ ، وَقَدْ كَفَرُوا بِما جاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ ، يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ
. فهنا ينبغي أن تسكب العبرات ، فالسعيد من وجد ذلك من نفسه ، فلم يدخل تحت هذا الخطاب ، وعلى قدر ما ينقصك من هذا الحال ، ينقصك من المعرفة بالله ، ومن الوقت الذي فتح الله علي في هذا الطريق ، ما لقيت أحدا على هذا القدم فعرفته به ، وإن كان عليه في نفس الأمر ، ولكن ما عرفني الله به ، وربما عرّضت له به فلم أجد عنده إلا النقيض ، لكني أعلم أن في
الشيخ محيي الدين بن عربي ترجمة حياته من كلامه — صفحة 77 | محمود محمود الغراب