تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الشيخ محيي الدين بن عربي ترجمة حياته من كلامه — صفحة 75

مساهمون:

ص٧٥
من حيث هو جسم حيواني في بطن أمه في ظلمات ثلاث ، ظلمة الرحم ، وظلمة المشيمة ، وظلمة البطن ، فإذا ولد اندرجت ظلمته فيه ، فكان ظاهره نورا وباطنه ظلمة ، فلا يتمكن له المشي في ظلمة باطنه إلا بسراج العلم ، إن لم يكن له هذا السراج فإنه لا يهتدى فيها ، فلما رأيت هيكلي وظلمته ، وعلمته أنه لو لم يكن له نور بوجه ما ، ما صح نظري إليه ، ولا إدراكي إياه ، فسألت عن النور الذي أعده لتعلق رؤيتي به ، فقيل لي : نور الوجود به رأيته ، فنظرت إلي من حيث أني راء لتلك الظلمة ، فرأيت ظلها ينبسط علي ، وما رأيت نوري يزيلها ، فتعجبت ، فقيل لي : لا يزول عنك ظلام إمكانك ، فإنه نعت ذاتي لك ، فإنك لست بواجب الوجود لذاتك ، فقلت : فمن لي بنور لا ظلمة فيه ؟ قيل لي : لا تجده أبدا ، فقلت : إذا فلا أشاهد موجدي أبدا ، فإنه النور المحض والوجود الخالص ، فقيل لي : لا تشاهده أبدا إلا منك ، لا تراه أبدا في صورة واحدة ، فلا تحيط به علما ، فلا يتجلى ولا يشهد كما يشهد نفسه ، فإنه غني عن العالمين ، فما يستدلّ عليه إلا به ، فلا يعرف إلا من طريق الكشف والشهود على حد ما ذكرناه ، وأما بالإدلة النظرية فلا يعلم إلا حكمه لا عينه ، فلهذا يحكم العقل بدليله على ما يستلزمه هذا الموجود الواجب الوجود ، مما يفتقر الممكن إليه فيه ، فهذا القدر يدل عليه ، ويعطيه الشهود رتبة فوق هذا ، تذاق ولا تنقال ولا تنحكي ، فلما أشهدني الله ذاتي وأشهدني هيكلي ، أشهدني بعد هذا نسبة العالم كله إلي ، وتوجهه عليّ في إيجاد عيني ، فرأيت تقدمه عليّ وآثاره فيّ ، وعلمت انفعالي عنه ، وأنه لولاه ما كان لي وجود عيني ، فذللت في نفسي ، حيث أنا تحت قهر ممكن مثلي ، وعلمت عند ذلك أني من القليل الذي يعلمون أن خلق السماوات - وهي الأسباب العلوية لوجودي - ، والأرض - وهي الأسباب السفلية لوجودي - ، أكبر من خلق الناس قدرا ، لأن لها نسبة الفاعلية ، وللناس نسبة الانفعال ، فأدركني انكسار يكاد أن يؤيسني عن مشاهدة الحق من حيث ما تشاهده هذه الأسباب ، التي لها عليّ في القدر شفوف الفاعلات ، فلما حصل عندي ذلك الإنكسار ، قيل لي : هذه الأسباب وإن كان لها هذا القدر عليك في المرتبة فيما ظهر ، فاعلم أنك العين المقصودة ، فما وجدت هذه الأسباب ، إلا بسببك لتظهر أنت ، فما كانت مطلوبة لأنفسها ، فإن الله لما أحب أن يعرف ، لم يمكن أن يعرفه إلا من هو على صورته ، وما أوجد الله على صورته أحدا إلا الإنسان الكامل ، لا
الشيخ محيي الدين بن عربي ترجمة حياته من كلامه — صفحة 75 | محمود محمود الغراب