مشهد عظيم عايناه ، وانتفعنا بهذه المحاسبة فيه ، فلم تعد علينا في الموطن الذي يحاسب الناس فيه ، وما أخذت هذا المقام إلا من شيخنا أبي عبد الله بن المجاهد وأبي عبد الله بن قسوم بإشبيلية ، فإنه كان حالهما ، وزدت على ابن قسوم في ذلك ، بمحاسبة نفسي بالخواطر ، وكان الشيخ لا يحاسب نفسه إلا على الأفعال والأقوال لا غير ، فزدنا عليهم في هذا الباب بتقييد الخواطر ، فكنا نقيد ما تحدثنا به نفوسنا وماتهم به ، زائدا على كلامنا وأفعالنا ، وكنت أحاسب نفسي مثلهم في ذلك الوقت ، وأحضر الدفتر وأطالبها بجميع ما خطر لها وما حدثت به نفسها ، وما ظهر للحس من ذلك من قول وعمل ، وما نوته في ذلك الخاطر والحديث ، فقلّت الخواطر والفضول إلا فيما يعني ، قال رسول الله صلى اللّه عليه وسلم : حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، ولقد أشهدني الله في هذا مشهدا عظيما بإشبيلية سنة ست وثمانين وخمسمائة .
( ف ج 2 / 628 - ج 1 / 211 - ج 2 / 628 - ج 1 / 211 - ج 4 / 475 ، 476 ) .
مكارم الأخلاق :
من يقدر على الاغتبان ولا يظهر للغابن أنه اغتبن ، فقد تمكن من حكم نفسه غاية التمكن ، لأن طبع النفس يطلب أن يعرف الخير منها ، ولا خير مثل الاغتبان ، فإنه نظير الحلم مع القدرة في نفس الأمر ، وهو يظهر للجاني أنه عجز عن مؤاخذته ، وهو ما ترك مؤاخذته إلا حلما لا عجزا ، وذلك لا يصدر إلا من قوي على حكم طبعه ونفسه ، فأهل الله أولى بالتجاوز عن عباد الله إذا عاملوهم بما يستحق الانخداع ، ونحن ممن تحقق به غاية التحقق ، وهو من أعظم مكارم الأخلاق الإلهية . ( ف ج 4 / 145 ) .
إذا كنت في قوم ولم أك عينهم * وسرهمو سري وجهرهمو جهري
فما أنا فيهم ذو وفاء وإنني * إذا حقق الأقوام شأني لفي خسر
ولما قبل الله تعالى توبة عباده وستر على بعض عباده ، وما أخبرنا بذلك إلا لنكون بتلك الصفة الإلهية مع عباده في معاملتهم إيانا ، فمن صدقنا رأينا له منزلة صدقه ، ومن كذب لنا لم نفضحه ، وتغاضينا عن كذبه وأظهرنا له قبول قوله .
( ديوان / 172 - ف ج 4 / 159 ) .