عنده ، ثم سلم وانصرف يطلب المنارة ، محرسا على شاطىء البحر ، على تل بيننا وبينه مسافة تزيد على ميلين ، فقطع تلك المسافة في خطوتين أو ثلاث ، فسمعت صوته وهو على ظهر المنارة يسبح الله تعالى ، وربما مشى إلى شيخنا جراح بن خميس الكتاني - وكان من سادات القوم مرابطا بمرسى عبدون ، وكنت جئت من عنده بالأمس من ليلتي تلك ، فلما جئت المدينة لقيت رجلا صالحا ، فقال لي : كيف كانت ليلتك البارحة في المركب مع الخضر ؟ ما قال لك وما قلت له ؟
فلما كان بعد ذلك التاريخ ، خرجت إلى السياحة بساحل البحر المحيط ، ومعي رجل ينكر خرق العوائد للصالحين ، فدخلت مسجدا خرابا منقطعا لأصلي فيه أنا وصاحبي صلاة الظهر ، فإذا بجماعة من السائحين المنقطعين دخلوا علينا ، يريدون ما نريده من الصلاة في ذلك المسجد ، وفيهم ذلك الرجل الذي كلمني على البحر ، الذي قيل لي : إنه الخضر ، وفيهم رجل كبير القدر أكبر منه منزلة ، وكان بيني وبين ذلك الرجل اجتماع قبل ذلك ومودة ، فقمت فسلمت عليه ، فسلم علي وفرح بي ، وتقدم بنا يصلي ، فلما فرغنا من الصلاة ، خرج الإمام وخرجت خلفه ، وهو يريد باب المسجد ، وكان الباب في الجانب الغربي ، يشرف على البحر المحيط بموضع يسمى بكة ، فقمت أتحدث معه على باب المسجد ، وإذا بذلك الرجل الذي قلت إنه الخضر ، قد أخذ حصيرا صغيرا كان في محراب المسجد ، فبسطه في الهواء على قدر علو سبعة أذرع من الأرض ، ووقف على الحصير في الهواء يتنفل ، فقلت لصاحبي : أما تنظر إلى هذا وما فعل ؟ فقال لي : سر إليه وسله ، فتركت صاحبي واقفا وجئت إليه ، فلما فرغ من صلاته ، سلمت عليه وأنشدته لنفسي .
شغل المحبّ عن الهواء بسرّه * في حب من خلق الهواء وسخره
العارفون عقولهم معقولة * عن كل كون ترتضيه مطهرة
فهمو لديه مكرمون وفي الورى * أحوالهم مجهولة ومستّرة
فقال : يا فلان ، ما فعلت ما رأيت ، إلا في حق هذا المنكر ، وأشار إلى صاحبي ، الذي كان ينكر خرق العوائد - وهو قاعد في صحن المسجد ينظر إليه - ليعلم أن الله يفعل ما يشاء ، مع من يشاء ، فرددت وجهي إلى المنكر وقلت له : ما تقول ؟ فقال : ما بعد العين ما يقال : ثم رجعت إلى صاحبي وهو ينتظرني بباب المسجد ، فتحدثت معه ساعة