في مفاوز المعرفة ، فلا حكم للإنس عليه ، وكذلك كان محفوظا من أذى الصبيان وغيرهم ، كثير السكوت مبهوتا ، دائم الاعتبار ، يلازم المسجد ويصلي في أوقات ، فربما كنت أسأله عندما أراه يصلي ، أقول له : أراك تصلي ، يقول لي : لا واللّه ، إنما أراه يقيمني ويقعدني ، ما أدري ما يريد بي ؟ أقول له : فهل تنوي في صلاتك هذه أداء ما افترض الله عليك ؟
فيقول لي : أي شيء تكون النية ؟ أقول له : القصد بهذه الأعمال القربة إليه ، فيضحك ويقول : أنا أقول له أراه يقيمني ويقعدني ، فكيف أنوي القربة إلى من هو معي ، وأنا أشهده ولا يغيب عني ؟ هذا كلام المجانين ما عندكم عقول .
( ف ح 2 / 76 - ح 1 / 199 - ح 2 / 11 - ح 1 / 249 ) .
[ أصحاب عيسى ويونس عليهما السلام ]
وفي زماننا اليوم جماعة من أصحاب عيسى عليه السلام ويونس يحيون ، وهم منقطعون عن الناس ، فأما القوم الذين هم من قوم يونس ، فرأيت أثر قدم واحد منهم بالساحل ، كان صاحبه قد سبقني بقليل ، فشبّرت قدمه في الأرض ، فوجدت طول قدمه ثلاثة أشبار ونصفا وربعا بشبري ، وأخبرني صاحبي أبو عبد الله بن خرز الطنجي أنه اجتمع به في حكاية ، وجاءني بكلام من عنده مما يتفق في الأندلس في سنة خمس وثمانين وخمسمائة ، وهي السنة التي كنا فيها ، وما يتفق في سنة ست وثمانين مع الإفرنج ، فكان كما قال ما غادر حرفا . ( ف ج 1 / 223 - ج 2 / 415 ) .
[ أهل الورع ]
وما من طبقة ذكرناها من أهل الورع إلا وقد رأينا منهم جماعة ، من رجال ونساء ، بإشبيلية ، وتلمسان ، وبمكة ، وبمواضع كثيرة ، وكانت لهم براهين تشهد بصحة ما يقولونه ، وأما نحن فلا نحتاج مع أحد منهم لبرهان فيما يدعيه ، فإن الله قد جعل لكل صنف علامة يعرف بها ، فإذا رأينا تلك العلامة عرفنا صدق صاحبها من حيث لا يشعر ، وكم رأينا ممن يدعي ذلك كاذبا ، أو صاحب خيال فاسد ، فإن علمنا منه أنه يرجع نصحناه ، وإن رأيناه عاشقا لحاله محجوبا بخياله الفاسد تركناه . ( ف ج 1 / 274 ) .
[ من صحبوا الجن ]
ورأينا جماعة ممن صحبوا الجن حقيقة ، وظهرت لهم براهين على صحة ما ادعوه من صحبتهم ، وكانوا أهل جد واجتهاد وعبادة ، ولكن لم يكن عندهم من جهتهم شمة من العلم بالله ، ورأينا فيهم عزة وتكبرا ، فما زلنا بهم حتى حلنا بينهم وبين صحبتهم ، وطلبهم الأنفس ، كما رأينا ضد ذلك منهم ، فما أفلح ولا يفلح من هذه صفته ، إذا كان