يقول لهم : أطيعوا الله يا مساكين ، فإنكم من طين خلقتم ، وأخاف عليكم أن تطبخ النار هذه الأواني ، فتردها فخارا ، فهل رأيتم قط آنية من طين تكون فخارا من غير أن تطبخها نار ؟ يا مساكين لا يغرنكم إبليس ، بكونه يدخل النار معكم وتقولون : الله يقول لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين ، إبليس خلقه الله من نار ، فهو يرجع إلى أصله ، وأنتم من طين ، تتحكم النار في مفاصلكم ، يا مساكين انظروا إلى إشارة الحق في خطابه لإبليس بقوله : لأملأن جهنم منك ، وهنا قف ، ولا تقرأ ما بعدها ، فقال له : جهنم منك ، وهو قوله : خلق الجان من مارج من نار ، فمن دخل بيته وجاء إلى داره ، واجتمع بأهله ، ما هو مثل الغريب الوارد عليه ، فهو راجع إلى ما به افتخر ، وقال : أنا خير منه خلقتني من نار ، فسروره رجوعه إلى أصله ، وأنتم يا مناحيس تتفخّر بالنار طينتكم ، فلا تسمعوا من إبليس ولا تطيعوا ، واهربوا إلى محل النور ، تسعدوا . يا مساكين ، أنتم عمي ما تبصرون الذي أبصره أنا ، تقولون : سقف هذا المسجد ما يمسكه إلا هذه الأسطوانات ، أنتم تبصرونها أسطوانات من رخام ، وأنا أبصرها رجالا يذكرون الله ويمجدونه ، بالرجال تقوم السماوات ، فكيف هذا المسجد ؟ ما أدري إما أنا هو الأعمى لا أبصر الأسطوانات حجارة ، وإما أنتم هم العمي لا تبصرون هذه الأسطوانات رجالا ، والله يا إخواني ما أدري ، لا والله أنتم هم العمي ؛ ثم استشهدني دون الجماعة فقال :
يا شاب ، ألست أقول الحق ؟ قلت : بلى ، ثم جلست إلى جانبه ، فجعل يضحك وقال :
يا ناس الأستاه المنتنة تصفر بعضها لبعض ، وهذا الشاب منتن مثلي ، هذه المناسبة جعلته يجلس إلى جانبي ويصدقني ، أنتم الساعة تحسبونه عاقلا وأنا مجنون ، هو أجن مني بكثير ، وإنما أنتم كما أعماكم الله عن رؤية هذه الأسطوانات رجالا ، أعماكم أيضا عن جنون هذا الشاب ، ثم أخذ بيدي وقال : قم امش بنا عن هؤلاء ، فخرجت معه ، فلما فارق الناس ، ترك يدي من يده وانصرف عني ؛ وهو من أكبر من لقيته من المعتوهين ، كنت إذا سألته :
ما الذي ذهب بعقلك ؟ يقول لي : أنت هو المجنون حقا ، لو كان لي عقل ، كنت تقول لي ما الذي ذهب بعقلك ؟ أين عقلي حتى يخاطبك ؟ قد أخذه معه ، وما أدري ما يفعل به ؟
وتركني هنا من جملة الدواب آكل وأشرب ، وهو يدبرني ، قلت له : فمن يركبك إذا كنت دابة ؟ قال : أنا دابة وحشية لا أركب ، ففهمت أنه يريد خروجه عن عالم الإنس ، وأنه
الشيخ محيي الدين بن عربي ترجمة حياته من كلامه — صفحة 58
مساهمون: محمود محمود الغراب
ص٥٨