شكرك لما أنعم اللّه به عليك ، من استواء ملكك ، بكفران النعم ، وإظهار المعاصي ، وتسليط النواب السوء بقوة سلطانك على الرعية الضعيفة ، فإن اللّه أقوى منك ، فيتحكمون فيهم بالجهالة والأغراض ، وأنت المسؤول عن ذلك ، فياهذا ، قد أحسن اللّه إليك ، وخلع خلع النيابة عليك ، فأنت نائب اللّه في خلقه ، وظله الممدود في أرضه ، فأنصف المظلوم من الظالم ، ولا يغرنك أن اللّه وسّع عليك سلطانك ، وسوّى لك البلاد ومهدها ، مع إقامتك على المخالفة ، والجور وتعدي الحدود ، فإن ذلك الاتساع مع بقائك على مثل هذه الصفات إمهال من الحق لا إهمال ، وما بينك وبين أن تقف على أعمالك ، إلا بلوغ الأجل المسمى ، وتصل إلى الدار التي سافر إليها آباؤك وأجدادك ، ولا تكن من النادمين ، فإن الندم في ذلك الوقت غير نافع ، يا هذا ، ومن أشد ما يمر على الإسلام والمسلمين - وقليل ما هم - رفع النواقيس ، والتظاهر بالكفر ، وإعلاء كلمة الشرك ببلادك ، ورفع الشروط التي اشترطها أمير المؤمنين - عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه - على أهل الذمة ، من أنهم لا يحدثون في مدينتهم ، ولا ما حولها كنيسة ، ولا ديرا ولا قليّة ولا صومعة راهب ، ولا يجدّدون ما خرب منها ، ولا يمنعون كنائسهم أن ينزلها أحد من المسلمين ثلاث ليال ، يطعمونهم ، ولا يؤون جاسوسا ، ولا يكتمون غشا للمسلمين ، ولا يعلمون أولادهم القرآن ، ولا يظهرون شركا ، ولا يمنعون ذوي قرباتهم من الإسلام إن أرادوه ، وأن يوقروا المسلمين ، وأن يقوموا لهم من مجالسهم ، إذا أرادوا الجلوس ، ولا يتشبهون بالمسلمين في شيء من لباسهم ، في قلنسوة ولا عمامة ولا نعلين ، ولا فرق شعر ، ولا يتسمون بأسماء المسلمين ، ولا يتكنون بكناهم ، ولا يركبون سرجا ، ولا يتقلدون سيفا ، وأن لا يتخذوا شيئا من سلاح ، ولا ينقشوا خواتيمهم بالعربية ، ولا يبيعوا الخمور ، وأن يجزوا مقادم رؤوسهم ، وأن يلزموا زيهم حيث ما كانوا ، وأن يشدوا الزنانير على أوساطهم ، ولا يظهروا صليبا ولا شيئا من كتبهم في طريق المسلمين ، ولا يجاوروا المسلمين بموتاهم ، ولا يضربوا بالناقوس إلا ضربا خفيفا ، ولا يرفعوا أصواتهم بالقراءة في كنائسهم ، في شيء من حضرة المسلمين ، ولا يخرجوا سعايين « 1 » ، ولا يرفعوا مع أمواتهم
هامش
( 1 ) هكذا في الأصل ، ولعلها شعانين من شعن ، من شعر مشعون ، أي مشعّث ، ومشعان الرأس أي ثائره وأشعثه .