تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الشيخ محيي الدين بن عربي ترجمة حياته من كلامه — صفحة 52

مساهمون:

ص٥٢
لا تتجاوز الملوك عن مثله ، فقلت له : يا هذا ، تخيلت أن لك همة الملوك ، وأنك سلطان ، واللّه ما أعلم أن في العالم ذنبا يقاوم عفوي ، وأنا واحد من رعيتك ، فكيف يقاوم ذنب رجل عفوك في غير حد من حدود اللّه ؟ إنك لدني الهمة ، فخجل وسرحه وعفا عنه ، وقال لي : جزاك اللّه خيرا من جليس ، مثلك من يجالس الملوك ، والملك يعفو عن كل شيء إلا عن ثلاثة أشياء ، فإنه لا يعفو عنها ، إذ لا عفو فيها ، وما يتفاضل الملوك إلا في صورة العقوبة ، والثلاثة الأشياء التي لا عفو فيها عند الملوك : التعرض للحرم ، وإفشاء سره ، والقدح في الملك « 1 » ، وكان هذا الشخص قد جاء لهذا الملك بما يقدح في الملك ، فعزم على قتله ، فلما وقع لي بالعفو عن ذلك الشخص ، قلت له : فاجعل عقوبته إنزاله عن الرتبة التي أوجبت له عندك أن تطلعه على أسرارك ، حتى ركب مركبا يقدح في الملك ، فإني كما كنت له في دفع القتل عنه ، أنا أيضا للملك معين فيما يدفع عن القدح في ملكه ، ففرح الملك بذلك وسرّ ، وقال لي : جزاك اللّه خيرا عني ، ثم صعد من عندي إلى قلعته ، وأخرج ذلك المحبوس وبعث به إليّ حتى رأيته ، فوصيّته بما ينبغي ، وتعجبت من عقل الملك وتأدبه وشكرته على صنيعه ، وبعد ذلك ما رفعت إليه حاجة إلا سارع في قضائها لفوره من غير توقف ، كانت ما كانت . ( ف ج 4 / 539 - ج 3 / 406 - ج 4 / 539 ) .

الملك أبو بكر بن أيوب :

ولقد رأيت ملوكا كثيرا ، ولم أر منهم من تحقق بمثل ما تحقق به الملك العادل أبو بكر بن أيوب مع صغار أولاده ، فإنه كان يضاحكهم بما ينزل إليهم في حركاتهم ، حتى يضحك الصغير في دسته ، بحضور أمرائه والرسل عنده ، وأنا حاضر بميافارقين ، وكنت أرى ذلك من جملة فضائله ، ويعظم به في عيني ، وشكرته على ذلك ، ورأيت من رفقه بالحريم ، وتفقد أحوالهن ، وسؤاله إياهن ما لم أر لغيره من الملوك ، وأرجو أن اللّه ينفعه بذلك ، فقد كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يمازج العجوز والصغير ، يباسطهم بذلك ويفرحهم . ( ف ج 4 / 225 ) . وقد كتب الشيخ رضي اللّه عنه إجازة إلى هذا الملك وأولاده ، يجيزه فيها بالرواية
هامش
( 1 ) هذه الأمور الثلاثة ذكرها أمير المؤمنين أبو جعفر المنصور . ( مسامرات ح 2 / 29 )