حيث لم أجبه ، فقلت : أنا لم أقبل هذا الطعام ، ولا أرى أن آكله ، فإنه عندي حرام ، ولا يتمكن لي أن آمركم بأكله ، فإني أحب لكم ما أحب لنفسي ، ثم بيّنت وجه الحرام فيه ، ثم قلت : هذا طعام حاضر ، من استحله أكله ومن لم يستحله تركه ، ودخلت إلى البيت الذي كنت فيه وأدخلت معي خواص أصحابي ، فلما أصبح مشى ذلك الشخص ، ووشى عند الوزير ، بأني أقول فيهم إنهم أهل حرام وغير ذلك ، فاغتاظ الوزير ، وقال :
إن السيد واللّه هو الذي يتناول توجيه ذلك الطعام بنفسه ، ولا يبرح حتى يحمل أمامه ؛ وقام لذلك وقعد ، فوصلت المسألة إلى السلطان - وكان عاقلا - ، فقال : نحن ما قصدنا إلا الخير وهو أعرف بحاله ، لا ندخل عليه مضرة ، ولا ما يسوءه ، وقبض ذلك عني ، فبلغ ذلك صاحبنا القلفاط ، فاجتمع بي وقد خاف علي وعلى أصحابي ، مما يعرف من البلاد ، وعاتبني على ذلك ، وقال : يا فلان هذا في حق نفسك حسن ، غير أن المضرة تنسحب على الطائفة ، وهؤلاء القوم ما يحتملون مثل هذا ، وقد قال بعضهم : ذل من ليس له ظالم يعضده ، وضل من ليس له عالم يرشده ، فلما رأيت أن الرحمة غلبت عليه في حق الناس ، وتشديد الأمور ، والأخذ بالأرجح في المصلحة الدنيوية ، قلت له : حق اللّه أحق ، ونفضت يدي وقمت ، فانصرف ، فلقيت ابن طريف والخبر عنده فقال لي :
السياسة أولى ، فقلت له : ما دام رأس المال محفوظا فلا بأس ، فسكت رضي اللّه عنه .
( روح القدس - ف ج 4 / 540 ) .
موقف الشيخ من أحد الخلفاء :
لقد جرى لي - مع بعض الخلفاء رضي اللّه عنه - ذات يوم وكنا نمشي ومعنا جماعة ، وإذا بالخليفة مقبل ، فتنحينا عن الطريق ، وقلت لأصحابي : من بدأه بالسلام أرذلت به عنده ، فلما وصل وحاذانا بفرسه ، انتظر أن نسلم عليه - كما جرت عادة الناس في السلام على الخلفاء والملوك - ، فلم نفعل ، فنظر إلينا وقال : سلام عليكم ورحمة اللّه وبركاته ، بصوت جهير ، فقلنا له بأجمعنا : وعليك السلام ورحمة اللّه وبركاته ، فقال : جزاكم اللّه عن الدين خيرا ، وشكرنا على فعلنا وانصرف ، فتعجب الحاضرون ، فإن الشرع أن يبدأ الراكب بالسلام على الماشي ، والماشي على القاعد . ( ف ح 4 / 492 ) .