تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الشيخ محيي الدين بن عربي ترجمة حياته من كلامه — صفحة 47

مساهمون:

ص٤٧
أدب بالنظر إلى المحفوظ عليه ، ورأيت أقواما يشطحون على اللّه ، وعلى أهل اللّه ، من شهود في حضرة خيالية ، فهؤلاء ما لنا معهم كلام ، فإنهم مطرودون من باب الحق ، مبعدون عن مقعد صدق ، فتراهم في أغلب أحوالهم لا يرفعون بالأحكام الشرعية رأسا ، ولا يقفون عند حدود اللّه ، مع وجود عقل التكليف عندهم ، فالشطح عبارة عن كلمة عليها رائحة رعونة دعوى ، وهي نادرة أن توجد من المحققين أهل الشريعة ، فإن الشطح نقص بالإنسان ، لأنه يلحق نفسه فيه بالرتبة الإلهية ، ويخرج عن حقيقته ، فيلحقه الشطح بالجهل باللّه وبنفسه ، فالشطح زلة المحققين إذا لم يؤمروا به ، فهو رعونة نفس ، فإنه لا يصدر من محقق أصلا ، فإن المحقق ما له شهود سوى ربه ، وعلى ربه ما يفتخر وما يدعي ، بل هو ملازم عبوديته ، مهيأ لما يرد عليه من أوامره فيسارع إليها ، وينظر جميع من في الكون بهذه المثابة ، فإذا شطح فقد انحجب عما خلق له ، وجهل نفسه وربه ، ولو انفعل عنه جميع ما يدعيه من القوة ، فيحي ويميت ويولي ويعزل ، وما هو عند اللّه بمكان ، بل حكمه في ذلك حكم الدواء المسهل أو القابض ، يفعل بخاصية الحال ، لا بالمكانة عند اللّه ، كما يفعل الساحر بخاصية الصنعة في عيون الناظرين ، فيخطف أبصارهم عن رؤية الحق فيما أتى به ، وكل من شطح فعن غفلة شطح ، وما رأينا ولا سمعنا عن ولي ظهر منه شطح لرعونة نفس - وهو ولي عند اللّه - إلا ولا بد أن يفتقر ويذل ، ويعود إلى أصله ويزول عنه ذلك الزهو الذي كان يصول به ، فذلك لسان حال الشطح ، هذا إذا كان بحق ، وهو مذموم ، فكيف لو صدر من كاذب ؟ ! ! . ( ف ح 3 / 560 - كتاب اصطلاح الصوفية - ف ح 2 / 232 ، 387 ) . فالشطح كلمة صادقة صادرة من رعونة نفس ، عليها بقية طبع ، تشهد لصاحبها ببعده عن اللّه ، في تلك الحال ، وإذا وقع مثل هذا من السادة ، فعليهم يقع العتب منا ، وقد يشطح الأدنى على الأعلى ، كمثل الشطحات على مراتب الأنبياء ، وهي أعظم عند اللّه في المؤاخذة من شطحهم على اللّه ، فإن مرتبة الإله تكذبهم بالحال وعند السامع ، وأما شطحهم على الأنبياء فموضع شبهة ، يمكن أن تقبل الصحة في نفس الأمر ، فيغتر بها السامع ، الحسن الظن به ، الذي لا معرفة عنده بمراتب أصناف الخلق عند اللّه ، فيغار اللّه لذلك حيث هو حق للغير ، وما يؤثر من الضلالة في الناس ، فيؤاخذ صاحب الشطحة بها ، ولا سيما إن ظهرت منه في حال صحو ، والعالم باللّه المكمل هو الذي يحمي نفسه أن
الشيخ محيي الدين بن عربي ترجمة حياته من كلامه — صفحة 47 | محمود محمود الغراب