الخطابية ، غيرة من علماء الرسوم ، عقوبة لهم من أجل إنكارهم ، كما ختم اللّه على قلوبهم ، وعلى سمعهم ، وجعل غشاوة على أبصارهم ، فلم يدركوا من روائح الحقائق شمة ، ولم يميزوا في قلوبهم بين اللمة « 1 » واللمة ، تأسيا بمثل من أخذ مثل هذه العلوم من النبي المعصوم « 2 » صلى اللّه عليه وسلم .
( روح القدس في محاسبة النفس - ف ج 1 / 272 ، 174 ، 272 ) .
وأما العلماء العاملون المنصفون ، الراسخون في العلم ، فهم السادة الذين هداهم اللّه ، فهم مصابيح الهدى ، وأعلام التقى ، وارثو رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في العلم والعمل والإخلاص ، والوصف الذي به نسب التقوى ، فإذا سمعتني أذم الفقهاء في كتاب ، فإنما أعني هذا الصنف المدبر ، الذي اتبع شهوته ، وغرض نفسه الأمارة بالسوء ، فإنه لما غلبت الأهواء على النفوس ، وطلبت العلماء المراتب عند الملوك ، تركوا المحجة البيضاء ، وجنحوا إلى التأويلات البعيدة ، ليمشوا أغراض الملوك فيما لهم فيه هوى نفس ، ليستندوا في ذلك إلى أمر شرعي ، مع كون الفقيه ربما لا يعتقد ذلك ، ويفتي به ، وقد رأينا منهم جماعة على هذا ، من قضاتهم وفقهائهم ، ولقد أخبرني الملك الظاهر غازي بن الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب في مثل هذا - وقد وقع بيني وبينه كلام - فنادى بمملوك وقال : جئني بالحرمدان ، فقلت : ما شأن الحرمدان ؟ قال : أنت تنكر عليّ ما يجري في بلدي ومملكتي من المنكرات والظلم ، وأنا واللّه أعتقد مثل ما تعتقد أنت فيه ، من أن ذلك كله منكر ، ولكن واللّه يا سيدي ما منه منكر إلا بفتوى فقيه ، وخط يده عندي بجواز ذلك ، فعليهم لعنة اللّه ، ولقد أفتاني فقيه هو فلان - عيّن لي أفضل فقيه عنده في بلده في الدين والتقشف - بأنه لا يجب عليّ صوم شهر رمضان هذا بعينه ، بل الواجب عليّ شهر في السنة ، والاختيار لي فيه ، أي شهر شئت من شهور السنة ، قال لي السلطان :
فلعنته في باطني ولم أظهر له ذلك ، وهو فلان ، وسماه لي رحم اللّه جميعهم .
وقد رأينا جماعة من المدرسين الفقهاء ، يسخرون بأهل اللّه المنتمين إلى اللّه ، المخبرين عن اللّه بقلوبهم ما يرد عليهم من اللّه فيها ، فيأمر اللّه تعالى من هذه صفته إلى
هامش
( 1 ) اللمّة : الشدة ، وبالضم : الصاحب والمؤنس ، وبالكسر : الشعر المجاور شحمة الأذن ( القاموس ) .
( 2 ) يقصد الشيخ رضي اللّه عنه أمثال أبي هريرة رضي اللّه عنه فيما ورد عنه في صحيح البخاري .