تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الشيخ محيي الدين بن عربي ترجمة حياته من كلامه — صفحة 38

مساهمون:

ص٣٨
والكلام والجدل ، الذين استعملوا أفكارهم في مواد الألفاظ ، التي صدرت عن الأوائل ، وغابوا عن الأمر الذي أخذها عنه ، وأمثال هؤلاء الذين عندنا اليوم ، لا قدر لهم عند كل عاقل ، فإنهم يستهزئون بالدين ، ويستخفون بعباد اللّه ، ولا يعظم عندهم إلا من هو معهم على مدرجتهم ، قد استولى على قلوبهم حب الدنيا ، وطلب الجاه والرياسة ، فأذلهم اللّه كما أذلوا العلم ، وحقرهم وصغرهم ، وألجأهم إلى أبواب الملوك والولاة من الجهال ، فأذلتهم الملوك والولاة ، فأمثال هؤلاء لا يعتبر قولهم ، فإن قلوبهم قد ختم اللّه عليها ، وأصمهم ، وأعمى أبصارهم ، مع الدعوى العريضة أنهم أفضل العالم عند نفوسهم ؛ فالفقيه المفتي في دين اللّه - مع قلة ورعه بكل وجه - أحسن حالا من هؤلاء ، فإن صاحب الإيمان مع كونه أخذه تقليدا ، هو أحسن حالا من هؤلاء العقلاء على زعمهم ، وحاشى العاقل أن يكون بمثل هذه الصفة « 1 » ، وقد أدركنا ممن كان على حالهم قليلا ، وكانوا أعرف الناس بمقدار الرسل ، ومن أعظمهم تبعا لسنن الرسول صلى اللّه عليه وسلم ، وأشدهم محافظة على سننه ، عارفين بما ينبغي لجلال الحق من التعظيم ، عالمين بما خص اللّه عباده - من النبيين وأتباعهم من الأولياء - من العلم باللّه من جهة الفيض الإلهي الاختصاصي ، الخارج عن التعلم المعتاد ، من الدرس والاجتهاد ، ما لا يقدر العقل من حيث فكره أن يصل إليه ، ولقد سمعت واحدا من أكابرهم ( وهو الإمام ابن رشد ) وقد رأى مما فتح اللّه به عليّ من العلم به سبحانه ، من غير نظر ولا قراءة ، بل من خلوة خلوت بها مع اللّه ، ولم أكن من أهل الطلب ، فقال : الحمد للّه الذي أنا في زمان ، رأيت فيه من آتاه رحمة من عنده ، وعلمه من لدنه علما ، فاللّه يختص برحمته من يشاء ، واللّه ذو الفضل العظيم . فكل ما أعطاه الفكر للنفس الناطقة ، وكان علما في نفس الأمر ، فهو من الفكر بالموافقة ، وأما الكشف الذي يكون للإنسان ، إنما يكشف له عن العلم الذي فطره اللّه عليه ، فيرى معلومه ، وأما بالفكر فمحال الوصول به إلى العلم ، وأما العلم عن الإعلام الإلهي ، فتتلقاه النفس الناطقة من ربها ، كشفا وذوقا ، من الوجه الخاص ، الذي لها ولكل موجود سوى اللّه ، فالفكر الصحيح لا يزيد على الإمكان ، وما يعطي إلا هو ، وأما ما كان من علم اللّه وإعلامه ، فلا يدرك بالفكر . ( ف ح 1 / 372 ، 324 - ح 2 / 489 ) .
هامش
( 1 ) راجع فقهاء الزمان .