الإنصاف أولى ، انظروا في نفس دعواه ، هل ادعى ما هو ممكن أو ادعى ما هو محال ؟
فقالوا : إنه قد ثبت عندنا بالدليل ، أن للّه فيضا إلهيا ، يجوز أن يمنحه من يشاء ، كما أفاض ذلك على أرواح هذه الأفلاك ، وهذه العقول ، والكل قد اشتركوا في الإمكان ، وليس بعض الممكنات بأولى من بعض فيما هو ممكن ، فما بقي لنا نظر إلا في صدق هذا المدعي أو كذبه ، ولا نقدم على شيء من هذين الحكمين بغير دليل ، فإنه سوء أدب مع علمنا ، فقالوا : هل لك دليل على صدق ما تدعيه ؟ فجاءهم بالدلائل ، فنظروا في دلالته ، وفي أدلته ، ونظروا أن هذا الشخص ما عنده خبر مما تنتجه الأفكار ، ولا عرف منه ، فأسرعوا إليه بالإيمان به ، وصدقوه ، وعلموا أن اللّه قد أطلعه على ما أودعه في العالم العلوي من المعارف ، ما لم تصل إليه أفكارهم ، ثم أعطاه من المعرفة باللّه ما لم يكن عندهم ، ورأوا نزوله في المعارف باللّه إلى العامي الضعيف الرأي بما يصلح لعقله من ذلك ، وإلى الكبير العقل الصحيح النظر بما يصلح لعقله من ذلك ، فعلموا أن الرجل عنده من الفيض الإلهي ما هو وراء طور العقل ، وأن اللّه قد أعطاه من العلم به والقدرة عليه ما لم يعطه إياهم ، فقالوا بفضله ، وتقدمه عليهم ، وآمنوا به وصدقوه واتبعوه ، فعين لهم الأفعال المقربة إلى اللّه تعالى ، وأعلمهم بما خلق اللّه من الممكنات فيما غاب عنهم ، وما يكون منه سبحانه فيهم في المستقبل ، وجاءهم بالبعث والنشور ، والحشر والجنة والنار ، فعلموا أن هذا الأمر أتم ، وأنه من عند اللّه بلا شك ، فقبلوا ما أعلمهم به من الغيوب ، وما عاند أحد منهم ، إلا من لم ينصح نفسه في علمه ، واتبع هواه ، وطلب الرياسة على أبناء جنسه ، وجهل نفسه وقدره ، وجهل ربه .
فكان أصل الشريعة في العالم وسببها ، طلب صلاح العالم ، ومعرفة ما جهل من اللّه مما لا يقبله العقل ، ولا يستقل به العقل من حيث نظره ، فنزلت بهذه المعرفة الكتب المنزلة ، ونطقت بها ألسنة الرسل والأنبياء عليهم السلام ، فعلمت العقلاء عند ذلك ، أنها نقصها من العلم باللّه أمور ، تممتها لهم الرسل ، ولا أعني بالعقلاء المتكلمين اليوم في الحكمة ، وإنما أعنى بالعقلاء ، من كان على طريقتهم ، من الشغل بنفسه ، والرياضات والمجاهدات والخلوات ، والتهيؤ لواردات ما يأتيهم في قلوبهم ، عند صفائها من العالم العلوي ، الموحى في السماوات العلا ، فهؤلئك أعني بالعقلاء ، فإن أصحاب اللقلقة
الشيخ محيي الدين بن عربي ترجمة حياته من كلامه — صفحة 37
مساهمون: محمود محمود الغراب
ص٣٧