تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الشيخ محيي الدين بن عربي ترجمة حياته من كلامه — صفحة 36

مساهمون:

ص٣٦

شرح كلمة الشيخ : بين نعم ولا تطير الأرواح من موادها والأعناق من أجسادها :

صاحب النظر - وإن آمن تقليدا - ، فإنه يريد البحث عن الأدلة ، والنظر فيما آمن به ، لا على الشك ، ليحصل له العلم بالدليل الذي نظر فيه ، فيخرج من التقليد إلى العلم ، أو يعمل على ما قلد فيه ، فينتج له ذلك العمل العلم باللّه ، فيفرّق به بين الحق والباطل ، عن بصيرة صحيحة ، لا تقليد فيها ، وهو علم الكشف ، فصاحب العلم عن العقل بنظره الفكري في العالم ، والآخذ للعلم بالمجاهدة والأعمال ، اجتمعا في النتيجة ، وزاد صاحب العمل أنه على بصيرة فيما علم ، لا يدخله شبهة ، وصاحب النظر ما يخلو عن شبهة تدخل عليه في دليله ، فصاحب العمل أولى باسم العالم من صاحب النظر ، فإن العقلاء والحكماء انفردوا في نفوسهم بالعلوم الإلهية ، من توحيد اللّه وما ينبغي لجلاله من التعظيم والتقديس ، وصفات التنزيه ، وعدم المثل والشبيه ، وحرضوا الناس على النظر الصحيح ، وأعلموهم أن للعقول - من حيث أفكارها - حدا تقف عنده لا تتجاوزه ، وأن للّه على قلوب بعض عباده فيضا إلهيا يعلمهم فيه من لدنه علما ، ولم يبعد ذلك عندهم ، وأن اللّه قد أودع في العالم العلوي أمورا ، استدلوا عليها بوجود آثارها في العالم العنصري ، فبحثوا عن حقائق نفوسهم ، لما رأوا أن الصورة الجسدية إذا ماتت ، ما نقص من أعضائها شيء ، فعلموا أن المدرك والمحرك لهذا الجسد إنما هو أمر آخر زائد عليه ، فبحثوا عن ذلك الأمر الزائد ، فعرفوا نفوسهم ، ثم رأوا أنه يعلم بعد ما كان يجهل ، فعلموا أنها - وإن كانت أشرف من أجسادنا - فإن الفقر والفاقة يصحبها ، فاعتلوا بالنظر من شيء ، إلى شيء لا يفتقر إلى شيء ، ولا مثله شيء ، ولا يشبه شيئا ، ولا يشبهه شيء ، فوقفوا عنده ، وقالوا : هذا هو الأول ، وينبغي أن يكون واحدا لذاته من حيث ذاته ، وإن أوليته لا تقبل الثاني ، ولا أحديته ، لأنه لا شبه له ولا مناسب ، فوحدوه توحيد وجود ، ثم لما رأوا أن الممكنات لأنفسها ، لا تترجح لذاتها ، علموا أن هذا الواحد أفادها الوجود ، فافتقرت إليه ، وعظمته ، بأن سلبت عنه جميع ما تصف ذواتها به ، فهذا حد العقل فبينا هم كذلك ، إذ قام شخص من جنسهم ، لم يكن عندهم من المكانة في العلم بحيث أن يعتقدوا فيه أنه ذو فكر صحيح ، ونظر صائب ، فقال لهم : أنا رسول اللّه إليكم ، فقالوا :