سمع وبلغه ما فتح اللّه به علي في خلوتي ، فكان يظهر التعجب مما سمع ، فبعثني والدي إليه في حاجة ، قصدا منه حتى يجتمع بي ، فإنه كان من أصدقائه ، وأنا صبي ما بقل وجهي ، ولا طرّ شاربي ، فعندما دخلت عليه قام من مكانه إليّ محبة وإعظاما ، فعانقني وقال لي : نعم ؟ قلت له : نعم ، فّزاد فرحه بي لفهمي عنه ، ثم إنّي استشعرت بما أفرحه من ذلك ، فقلت له : لا ، فانقبض وتغيّر لونه وشك فيما عنده ، وقال : كيف وجدتم الأمر في الكشف والفيض الإلهي ؟ هل هو ما أعطاه لنا النظر ؟ قلت له : نعم لا ، وبين نعم ولا تطير الأرواح من موادّها ، والأعناق من أجسادها ، فاصفر لونه ، وأخذه الأفكل ، وقعد يحوقل ، وعرف ما أشرت به إليه ، وطلب بعد ذلك من أبي الاجتماع بنا ، ليعرض ما عنده علينا ، هل يوافق أو يخالف ؟ فإنه كان من أرباب الفكر والنظر العقلي ، فشكر اللّه تعالى الذي كان في زمان ، رأى فيه من دخل خلوته جاهلا ، وخرج مثل هذا الخروج ، من غير درس ولا بحث ولا مطالعة ولا قراءة ، وقال : هي حالة أثبتناها وما رأينا لها أربابا ، فالحمد للّه الذي أنا في زمان فيه واحد من أربابها ، الفاتحين مغاليق أبوابها ، والحمد للّه الذي خصني برؤيته ، ثم أردت الاجتماع به مرة ثانية فأقيم لي رحمه اللّه في الواقعة ، في صورة ضرب بيني وبينه فيها حجاب رقيق ، أنظر إليه منه ولا يبصرني ، ولا يعرف مكاني ، وقد شغل بنفسه عني ، فقلت : إنه غير مراد لما نحن عليه ، فما اجتمعت به حتى درج ، وذلك سنة خمس وتسعين وخمسمائة ، بمدينة مراكش ، ونقل إلى قرطبة وبها قبره ، ولما جعل التابوت الذي فيه جسده على الدابة ، جعلت تواليفه تعادله من الجانب الآخر ، وأنا واقف ومعي الفقيه الأديب أبو الحسين محمد بن جبير ، كاتب السيد أبي سعيد ، وصاحبي أبو الحكم عمرو بن السراج الناسخ ، فالتفت أبو الحكم إلينا وقال : ألا تنظرون إلى من يعادل الإمام ابن رشد في مركوبه ؟ هذا الإمام وهذه أعماله ، يعني تواليفه ، فقال ابن جبير : يا ولدي نعم ما نظرت لا فضّ فوك ؛ فقيدّتها عندي موعظة وتذكرة ، رحم اللّه جميعهم ، وما بقي من تلك الجماعة غيري وقلنا في ذلك :
هذا الإمام وهذه أعماله * يا ليت شعري هل أتت آماله
( ف ح 1 / 153 ) .