الشيخ إمام صاحب مذهب مستقل :
لا يعرف أكثر أهل العلم أن الشيخ الأكبر رضي اللّه عنه إمام صاحب مذهب مستقل ، بل ينسبونه إلى المذهب الظاهري خطأ ، وبعضهم ينسب إليه تقليد الإمام ابن حزم ، فيرد عليهم بقوله في الديوان / 47 :
نسبوني إلى ابن حزم وإني * لست ممن يقول قال ابن حزم
لا ولا غيره فإن مقالي * قال نص الكتاب ذلك علمي
أو يقول الرسول أو أجمع الخل * ق على ما أقول ذلك حكمي
لم يتوغل السادة العلماء في فهم معنى الظاهر عند الشيخ ، ولم يحققوا ما يعنيه ، ولو تتبعوا المعاني التي شرحها الشيخ في مفهوم الظاهر ، لعلموا أن مذهبه التيسير ورفع الحرج عن الأمة ، وأنه يعني « بالظاهر » كل مذهب فقهي يحمل اللفظ على معنى من معانيه الواردة في اللغة ، وعدم التأويل ، الذي يخرج اللفظ عما يحتمله من المعنى في لغة العرب ، أو ما نص عليه الشارع ، ولو أن السادة الفقهاء شغلوا نفوسهم بما أتى به الشيخ من الناحية الشرعية والفقهية ، لوجدوا بحورا من العلم زاخرة ، وفهما نادرا ، وأسرارا عظيمة ، لا تأتي إلا عن طريق الفتح الإلهي والإلهام الربّاني ، ولوقفوا على مسائل في الأصول والفروع ، يثبت بها اجتهاد الشيخ ، لم يسبقه بها أحد من الأئمة الفقهاء ، ومما يدل على علو كعب الشيخ ، واتساع علمه ، وسعة اطلاعه على أقوال العلماء والفقهاء ، قوله رضي اللّه عنه :
السعادة إنما هي مع أهل الظاهر ، وهم في الطرف والنقيض من أهل الباطن ، والسعادة كل السعادة مع الطائفة التي جمعت بين الظاهر والباطن ، وهم العلماء باللّه وبأحكامه ، وكان في نفسي - إن أخر اللّه في عمري - أن أضع كتابا كبيرا ، أقرر فيه مسائل الشرع كلها ، كما وردت في أماكنها الظاهرة وأقررها ، فإذا استوفينا المسألة المشروعة في ظاهر الحكم ، جعلنا إلى جانبها حكمها في الباطن ، في باطن الإنسان ، فيسري حكم الشرع في الظاهر والباطن ، فإن أهل طريق اللّه ، وإن كان هذا غرضهم ومقصدهم ، ولكن ما كل أحد منهم يفتح اللّه له في الفهم ، حتى يعرف ميزان ذلك الحكم في باطنه ، فقصدنا في هذا الكتاب ( الفتوحات المكية ) إلى الأمر العام من العبادات ، وهي الأركان الخمسة لكونها من قواعد الإسلام التي بني الإسلام عليها . ( ف ج 1 / 334 ) .