الحق في كل اعتقاد « 74 » - وهو المقصود بهذه الأبيات - وبين العقيدة المأمور بها العبد من الحق على ألسنة رسله ، فإن التجلي في صور الاعتقادات راجع إلى المتجلي ، وهو الحق سبحانه وتعالى ، وأما العقيدة فراجعة إلى العبد الذي يجب عليه أن يعتقد في اللّه ما أمر به على لسان الرسول ، وهذا موجود في الشريعة ، ؛ وأقرب مثال له ، هو اعتقادنا أن اللّه خالق كل شيء ، بما في ذلك الأفعال الصادرة من العبد ، ثم إن العبد مسؤول عن الشرور والمعاصي التي تظهر منه وعليه ، ومثاب على الخير الذي يظهر منه وعلى يديه ، فما تصوروه ناتج عن فهمهم الخاطىء لتفسير الشيخ لقوله تعالى
وَقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ
وقضى هنا عند الشيخ بمعنى : - حكم لا أمر ، وكذا خطؤهم في فهم قول الشيخ « ما عبد أحد سوى اللّه ، حتى المشركون ما عبدوه إلا في الهياكل المسماة شركاء » « 75 » وغاب عن هؤلاء الجمع بين مثل هذا القول - ومستنده ما قاله الحق عن المشركين ، قولهم
ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى
- وبين ما جاء من التزام الشريعة ، ولا تنبهوا إلى قول الشيخ رضي اللّه عنه : « من سجد لغير اللّه عن أمر اللّه قربة إلى اللّه طاعة للّه ، فقد سعد ونجا ، ومن سجد لغير اللّه عن غير أمر اللّه قربة إلى اللّه فقد شقي » « 76 » .
وسبب آخر لهذا الخطأ عند القائلين بعالمية الشيخ في الاعتقاد ، هو قول الشيخ بشمول الرحمة ، وعدم سرمدة العذاب « 77 » ولم يثبتوا قوله بأن العذاب والآلام الحسية بالنار من حرق للجلود ولدغ للعقارب والحيات ، إلى غير ذلك من ألوان العذاب الحسي والمعنوي ، تستمر لمدة يقدرها الشيخ بخمسين ألف سنة من سني الدنيا « 78 » ولم يدركوا ما نص عليه من أن صورة العذاب ، باقية لا تتغير أبدا ، بعد انقضاء فترة العذاب وشمول الرحمة أهل الشقاء ، فإن اللّه تعالى يجعل أهل النار - الذين هم أهلها وليسوا بخارجين منها - على مزاج يتنعمون به بما كانوا به يتعذبون ، وأي عاقل يتمنى أن يتنعم بالنتن والصديد وحرق الجلود ، ويترك النعيم في الجنان بالحور الحسان ، والجمال في دار الرضوان ، وهي الجنة دار السعداء ؟ !
هامش
( 74 ) ف ح 1 / 238 ، 405 ، 589 - ح 2 / 92 ، 326 ، 498 - ف ح 4 / 100 ، 101 ، 165 ، 405 ، 415
( 75 ) ف ح 2 / 92
( 76 ) ف ح 3 / 367
( 77 ) ف ح 2 / 148 ، 244 ، 662 - ح 3 / 25 ، 100 ، 101 ، 383 ، 446 ، 496 - ح 4 / 146 ، 163
( 78 ) ف ح 3 / 383