الخلق والإيجاد - وكما سبق أن أوضحنا أن علم اللّه ذاته ، فإنه أحدي الذات والصفات ، فمن هنا أطلقت كلمة وحدة الوجود ، وبقي الخلق كالخيال لا ثبات له ، وحصل الالتباس عند منتقدي الشيخ لكونهم لم يفرقوا بين وحدة الوجود وبين وحدة الموجود ، ومستند الشيخ رضي اللّه عنه فيما ذهب إليه هو قوله تعالى .
كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ
وقول رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : - « أصدق ما قالت العرب قول لبيد : ألا كل شيء ما خلا اللّه باطل » وقوله صلى اللّه عليه وسلم : - « كان اللّه ولا شيء معه » ومن أراد الزيادة فليراجع كتابنا « شرح كلمات الصوفية » وسيجد القارئ أن كل من حاول أن يعرب كلام الشيخ قدس اللّه سره في وحدة الوجود فقد أعجمه ، ولو ترك كلام الشيخ على ما هو عليه من الوضوح لما التبس الأمر على أحد من أهل العلم .
موقف الشيخ الأكبر من الأديان
يحاول بعض من يكتب عن الشيخ من المستشرقين غير المسلمين ، أن يجعل الشيخ الأكبر قاسما مشتركا بين الأديان السماوية وغيرها ، أي يجعله كالجوكر
( Joker )
في أوراق اللعب ، فهو عندهم معتقد لكل دين ، دعاهم إلى ذلك فهمهم الخاطىء لما قاله الشيخ في كتابه ترجمان الأشواق :
لقد صار قلبي قابلا كل صورة * فمرعى لغزلان ودير لرهبان
وبيت لأوثان وكعبة طائف * وألواح توراة ومصحف قرآن
أدين بدين الحب أنّى توجهت * ركائبه فالدين ديني وإيماني « 73 »
فهم من قرأ هذه الأبيات - معراة عن شرح الشيخ لها - خلاف قصد قائلها ، فلا هم وقفوا مع نص شرحه لها في نفس الكتاب ، ولا هم عملوا على فهم معناها من كتبه الأخرى ، وسبب ما ذهبوا إليه ، هو الخلط عندهم بين التجلي الإلهي في صور الاعتقادات ، ومشاهدة
هامش
( 73 ) ترجمان الأشواق / طبعة عام 1313 ه ، وطبعة 1388 ه .
محاضرة الأبرار ومسامرة الأخيار / طبعة عام 1906 م وطبعة 1968 م .
رأيت كل من ذكر البيت الأخير ، أبدل كلمة « فالدين » بكلمة « فالحب » وهو يخالف النص ويخل بالمعنى .