الشيخ الأكبر وعلماء السوء في زمانه
لقد ناصب الشيخ الأكبر علماء السوء من الفقهاء والصوفية العداء في زمانه ، فنراه يقول في ذم الفقهاء الراغبين في المناصب من قضاء وشهادة وحسبة وتدريس : « إياك يا أخي عافاك اللّه من الظن السوء ، من أن تظن فيّ أني أذم الفقهاء من أجل أنهم فقهاء ، أو لتعلمهم الفقه ، لا ينبغي أن يظنّ هذا بمسلم ، وإن شرف الفقه وعلم الشرع لا خفاء به ، ولكن أذم من الفقهاء الصنف الذي تكالب على الدنيا ، وطلب الفقه للرياء والسمعة ، وابتغى به نظر الناس ليقال ، ولازم المراء والجدال ، وأخذ يرد على أبناء الآخرة ، الذين اتقوا اللّه فعلمهم من لدنه علما ، فلا أنكر مرتبة الفقه - وقد سمعت من النبي صلى اللّه عليه وسلم يقول : من يرد اللّه به خيرا يفقهه في الدين - ولما كان هذا الصنف غلبت عليهم نفوسهم وشهواتهم ، واستولى عليهم الشيطان ، وعلى أيديهم جرى الضرر على أولياء اللّه ، وبشهادتهم هلكوا ، كما أني قد ذممت الصوفية ، ولم أرد به الصادقين ، وإنما أعني الصنف الذي تزيّا بزيهم عند الناس ، وباطنه مع اللّه بخلاف ذلك ، قال اللّه تعالى : -
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ، وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلى ما فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصامِ
فذمي الصوفية إنما أذم هذا الصنف الذي ذكرته ، فإن الحلولية والإباحية وغيرهم من هذا الطريق ظهروا ، وتظاهروا بالدعاوى واتصفوا ، فهم قرناء الشيطان وحلفاء الخسران » « 58 » .
فلا عجب أن نرى كثيرا من علماء الرسوم وغيرهم ، قد عادى الشيخ رضي اللّه عنه في حياته وبعد مماته ، ونسبوا إليه القول بالاتحاد ، وعدم التفريق بين الحادث والقديم ، وأنه يقول بوحدة الوجود على المفهوم من آراء فاسدة عند من قال بها من السابقين ، هذا فضلا عما دسوه وحرفوه في كتبه ، ولو حقق العلماء ما قاله الشيخ وكتبه بخط يده في كل ما نسبوه إليه ، لتيقنوا براءته مما نسبه إليه أعداؤه ، إما عن سوء فهم لما كتب ، أو لعبارات دست عليه ، فنراه يقول عن الاتحاد : « الرب رب والعبد عبد فلا تغالط ولا تخالط » « 59 » ويقول :
« العبد من لا يكون فيه من الربوبية وجه ، والرب من لا يكون فيه من العبودية وجه ، فلا يجتمع الرب والعبد أبدا » « 60 » ويقول : « الوجود المرجّح لا يساوي الوجود الذاتي ، الذي لا
هامش
( 58 ) كتاب روح القدس في محاسبة النفس
( 59 ) ف ح 3 / 224
( 60 ) ف ح 3 / 318