أما عن الإشارة والرمز واللغز فيقول الشيخ : « كلام أصحابنا رضي اللّه عنهم في شرح كتابه العزيز ( يعني القرآن ) الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه إشارات ، وإن كان ذلك حقيقة وتفسيرا لمعانيه النافعة ، ورد ذلك كله إلى نفوسهم ، مع تقريرهم إياه في العموم ، وفيما نزل فيه كما يعلمه أهل اللسان الذين نزل ذلك الكتاب بلسانهم ، فعم به سبحانه عندهم الوجهين ، كما قال تعالى : -
سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ
يعني الآيات المنزلة في الآفاق وفي أنفسهم ، فكل آية منزلة لها وجهان ، وجه يرونه في نفوسهم ، ووجه آخر يرونه فيما خرج عنهم ، فيسمون ما يرونه في نفوسهم إشارة ، ليأنس الفقيه صاحب الرسوم إلى ذلك ، ولا يقولون في ذلك إنه تفسير ، وقاية لشرهم وتشنيعهم في ذلك بالكفر عليه ، وذلك لجهلهم بمواقع خطاب الحق ، واقتدوا في ذلك بسنن الهدى ، فإن اللّه كان قادرا على تنصيص ما تأوله أهل اللّه في كتابه ، ومع ذلك ما فعل ، بل أدرج في تلك الكلمات الإلهية التي نزلت بلسان العامة ، علوم معاني الاختصاص التي فهمها عباده ، حين فتح لهم فيها بعين الفهم الذي رزقهم » « 51 » ويقول عن كتابه الإسراء : « ورمزت في هذا الكتاب بعض تلك المعاني ( يعني المعاني المجردة ) بعبارتي ، ليكون ذلك بمنزلة الرؤيا ، لكن لا يفكها إلا المعبّر العالم بأصولها ، وإن كان الغير يشاركه في سماع الرؤيا ، لكن لا يعرف تأويلها إلا هو ومن يجري مجراه » « 52 » ويقول عن كتابه التنزلات الموصلية وهو في الصلوات الخمس وأسرارها : « هذا كتاب أودعت فيه لطائف الأسرار ، وأضواء علوم الأنوار ، فهو مبني على اللغز والرمز ، ليتحقق المدعي في مناجاة ربه عند وقوفه على هذه النتائج ، بالحصر ، والعجز ، وإنما قصدت أيضا ستر هذه المعاني الإلهية في هذه الألغاز الخطابية ، غيرة من علماء الرسوم ، وعقوبة لهم من أجل إنكارهم ، كما ختم اللّه على قلوبهم وعلى سمعهم ، وجعل غشاوة على أبصارهم ، فلم يدركوا من روائح الحقائق شمة ، ولم يميزوا بين اللّمة واللّمة ، تأسيا بمن أخذ هذا العلم « 53 » من النبي المعصوم ، وقال : لو بثثته قطع مني هذا البلعوم ؛ وكما قال علي رضي اللّه عنه حين علم النقلة ( يعني الموت ) إن ها هنا - وضرب على صدره بيده - لعلوما جمة ، لو وجدت لها حملة ، وكما قال ابنه الذكي الحبر الكبير السنيّ « 54 » :
هامش
( 51 ) ف ح 1 / 279
( 52 ) كتاب النجاة / المقدمة
( 53 ) هو الصحابي أبو هريرة رضي اللّه عنه
( 54 ) هو : زين العابدين علي بن الحسين رضي اللّه عنهما