يا رب جوهر علم لو أبوح به * لقيل لي أنت ممن يعبد الوثنا
ولاستحلّ رجال مسلمون دمي * يرون أقبح ما يأتونه حسنا
فبهؤلاء السادات في ستري لهذه العلوم تأسيت ، وبهم فيها اهتديت » « 55 » .
هذا الذي أوردناه من كلام الشيخ يرد على كل طائفة باطنية حاولت أن تفسر إشارات الشيخ ورموزه على هواها ، بتأويلات فاسدة ، بعيدة كل البعد عن قصده الذي نص عليه ، وتفعل الباطنية ذلك للدلالة على نسبة الشيخ إليها ، وأين قصد الشيخ الصريح مما ذهب إليه من يدعي العلم والتحقيق حين يربط بينه وبين الباطنية لما لم يفهمه من كلامه ؟ !
أما عن مذهب القائلين بالتناسخ فنراه يقول : « قال صلى اللّه عليه وسلم في نسمة المؤمن : - إنه طير أخضر ، فذلك الطير كالجسم هنا ، صورة حييت بهذا الروح الذي كان يحيا به هذا الجسم . . . ومن هنازل القائلون بالتناسخ لما رأوا أو سمعوا أن الأنبياء قد نبهت على انتقال الأرواح إلى هذه الصور البرزخية ، وتكون فيها على صورة أخلاقها ، ورأوا تلك الأخلاق في الحيوانات ، تخيلوا في قول الأنبياء والرسل والعلماء أن ذلك راجع إلى هذه الحيوانات التي في الدار الدنيا ، وأنها ترجع إلى التخليص ، وذكروا ما قد علمت من مذهبهم ، فأخطؤوا في النظر وفي تأويل أقوال الرسل وما جاء في ذلك من الكتب المنزلة ، ورأوا النائم يقرب من هذا الأمر الذي شرعوا فيه ، فاستروحوا من ذلك ما ذهبوا إليه ، فما أتي عليهم إلا من سوء التأويل في القول الصحيح ، وهذا معنى قوله «
لِيَبْلُوَكُمْ *
» أي يختبر عقولكم بالموت والحياة «
أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا *
» بالخوض فيهما والنظر ، فيرى من يصيب منكم ، ومن يخطئ كأهل التناسخ » « 56 » ويقول : « ومن هنا هبت نفحة على القائلين بالتناسخ ، فلم يتحققوا معناها ، فزلوا وضلوا وأضلوا ، ولأنهم نظروا فيها من حيث أفكارهم ، فأخطؤوا الطريق فغلطوا ، فهم مخطئون غير كافرين ، إلا من أنكر البعث الذي هو النشأة الآخرة ، فهو ملحق بالكفار » « 57 » .
فالعجب كيف تنسب الطوائف الباطنية الشيخ الأكبر إليها ، وهو يصفها بأنها أجهل الناس بالحقائق ، وبالضلال ، والإضلال ؟ ! وكيف يغيب المحققون من أهل العلم عن هذه النصوص الصريحة ؟ !
هامش
( 55 ) كتاب التنزلات الموصلية / الباب الأول
( 56 ) ف ح 3 / 66
( 57 ) ف ح 1 / 755